قد يبدو التعبير عن القلق أو الإحباط سلوكًا عاديًا يمر به الجميع خلال الحديث اليومي. إلا أن تحول الشكوى إلى عادة متكررة قد يحمل آثارًا سلبية تتجاوز الشعور اللحظي. لتنعكس على الصحة النفسية والجسدية وعلى العلاقات الاجتماعية أيضًا.
وتشير دراسات في علم السلوك إلى أن معظم الأشخاص يشتكون ولو لدقيقة واحدة خلال أي محادثة عادية، وهو ما يجعل التذمر سلوكًا شائعًا.
ورغم أنه قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالراحة، فإن الخبراء يؤكدون أنه يشبه “الراحة غير الصحية”. إذ لا يحقق فائدة حقيقية على المدى الطويل، وقد يؤدي إلى نفور الآخرين من الشخص كثير الشكوى.
كيف يتحول التذمر إلى عادة ذهنية؟
يرى متخصصون في علم الأعصاب أن تكرار سلوك التذمر يؤدي إلى تقوية الروابط العصبية المرتبطة به داخل الدماغ. ما يجعل هذا السلوك أكثر تلقائية مع الوقت، حتى يصبح جزءًا من نمط التفكير اليومي دون وعي من الشخص نفسه.
وبذلك لا يقتصر تأثير الشكوى المتكررة على الانطباع الاجتماعي فقط، بل يمتد ليؤثر في طريقة عمل الدماغ ووظائفه المختلفة، إضافة إلى انعكاساته السلبية على الصحة العامة.

أسباب التذمر ودوافعه النفسية
وبحسب “labayh” يبدأ سلوك الشكوى عادة عندما يصل شعور الانزعاج لدى الفرد إلى ما يعرف بـ”العتبة الحرجة”. أي اللحظة التي يصبح فيها الضغط النفسي أكبر من قدرة الشخص على التحمل.
في هذه الحالة يلجأ البعض إلى التذمر كوسيلة لتخفيف التوتر وإعادة التوازن النفسي بين الواقع غير المرغوب فيه والصورة المثالية التي يتوقعونها.
ورغم أن هذا السلوك قد يوفر راحة مؤقتة فإنه قد يتحول مع التكرار إلى نمط ثابت في التفكير والتفاعل.
آثار سلبية تمتد إلى الدماغ والجسم
تؤكد الأبحاث أن الإفراط في الشكوى يرتبط بعدة تأثيرات سلبية، من أبرزها:
- تعزيز التفكير السلبي: إذ يؤدي التكرار المستمر للشكوى إلى ترسيخ أنماط تفكير سلبية داخل الدماغ. ما يجعل الشخص أكثر ميلًا للتشاؤم.
- تأثير في الذاكرة: أظهرت دراسات أن التوتر المزمن المرتبط بالشكوى قد يؤثر في منطقة “الحصين” بالدماغ المسؤولة عن الذاكرة والتعلم. ما يضعف القدرة على التكيف مع المواقف الجديدة.
- ارتفاع هرمون التوتر (الكورتيزول): حيث يرتبط التذمر المستمر بزيادة مستويات هذا الهرمون. وهذا قد يرفع خطر الإصابة بالاكتئاب واضطرابات النوم وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.
كما تشير أبحاث علمية إلى أن الأشخاص الأكثر تفاؤلًا يتمتعون بعمر أطول وخطر أقل للإصابة بأمراض مزمنة مقارنة بغيرهم.
تأثير اجتماعي يمتد إلى المحيط
لا يقتصر أثر التذمر على الفرد فقط، بل يمتد إلى من حوله. إذ يمكن أن يوفر بيئة سلبية تؤثر في المزاج العام للمجموعة.
ومع الوقت قد يكتسب الآخرون السلوك نفسه. ما يعزز دائرة من السلبية يصعب كسرها.
كيف يمكن تقليل الشكوى وتحويلها إلى سلوك إيجابي؟
يطرح الخبراء مجموعة من التوصيات للتعامل مع الرغبة في التذمر بطريقة أكثر وعيًا وفاعلية، أبرزها:
أولًا: ممارسة الامتنان
تحويل الانتباه إلى الجوانب الإيجابية في الحياة عند الشعور بالرغبة في الشكوى، وهو ما يساعد على تقليل مستويات التوتر وتحسين المزاج.
ثانيًا: الشكوى بهدف الحل لا التذمر فقط
وفي حالة الضرورة ينصح بأن تكون الشكوى موجهة نحو حل المشكلة وليس مجرد التعبير عن الإحباط، وذلك عبر:
- تحديد الهدف من الشكوى قبل التعبير عنها.
- البدء بنقطة إيجابية عند مخاطبة الطرف الآخر.
- تحديد المشكلة بوضوح دون التوسع في تفاصيل غير ضرورية.
- إنهاء الحديث باقتراح أو نتيجة إيجابية بدلًا من الاكتفاء بالسلبية.

نحو توازن نفسي أفضل
في المحصلة لا يعتبر التعبير عن المشاعر السلبية خطأً في حد ذاته. لكن المشكلة تكمن في تحوله إلى نمط دائم.
وبين التفريغ الصحي للضغوط والانزلاق نحو التفكير السلبي المستمر، يبقى الوعي الذاتي هو العامل الأهم في الحفاظ على التوازن النفسي والصحة العامة.

















