لم يكن أحمد محمد السباعي (1905-1984م) مجرد كاتب أو صحفي عابر في تاريخ المملكة العربية السعودية، بل كان مؤسسة ثقافية تمشي على قدمين. لقب بـ “شيخ الصحافة السعودية” وعد أحد أبرز رواد التنوير الذين صاغوا وجدان الجيل الأول من المثقفين، تاركًا وراءه إرثًا يمتد من مقاعد الدراسة الأولى إلى خشبات المسرح التي لم تكن تعرف الضوء قبله.
التكوين والنشأة.. من المسجد الحرام إلى الأقباط العليا
ولد السباعي في مكة المكرمة، وفي رحابها بدأ رحلته التعليمية بين الكتاتيب وحلقات العلم في المسجد الحرام. لكن طموحه المعرفي دفعه للسفر إلى الإسكندرية، حيث التحق بمدرسة “الأقباط العليا” لمدة عامين، قبل أن يعود لمكة ليحمل لواء التعليم مدرساً ثم مديراً لمدرسة “الفائزين”. صهرت هذه الخلفية التعليمية المزدوجة شخصيته بين الأصالة النجدية-الحجازية والانفتاح الثقافي.
صياغة العقل السعودي: “سلم القراءة” كأول منهج مدرسي
كما انطلقت شرارة السباعي الأدبية عبر صحيفة “صوت الحجاز”، لكن إنجازه الأكبر في ميدان التربية كان تأليف سلسلة “سلم القراءة العربية” المكونة من ستة أجزاء. هذا العمل لم يكن مجرد كتاب أدبي. بل نال ثقة مديرية المعارف آنذاك ليصبح “أول منهج دراسي رسمي” في المملكة، مساهمًا بذلك في تأسيس البناء التعليمي الحديث للدولة.

شيخ الصحافة ومؤسس المؤسسات
كما تدرج السباعي في العمل الصحفي حتى أصبح رئيساً لتحرير “صوت الحجاز”، ثم أسس لاحقًا صحيفة “الندوة” ومجلة “قريش”، منشئًا دارًا للطباعة والصحافة تحمل الاسم نفسه. كانت رؤيته الصحفية تتجاوز نقل الخبر إلى صناعة الوعي الاجتماعي، وهو ما دفعه للمطالبة بتعليم المرأة والمشاركة في تأسيس نادي مكة الأدبي عام 1975م، ليكون منارةً تجمع مثقفي المنطقة.
حلم المسرح.. “دار قريش” والمواجهة مع السائد
بسبب تأثره العميق بالنهضة المسرحية في مصر، وتحديدًا مسرح يوسف وهبي، راود السباعي حلم إنشاء مسرح سعودي يعكس بيئة وقيم بلاده. في عام 1961م، حصل على موافقة رسمية في عهد الملك سعود لإنشاء “دار قريش للتمثيل القصصي”.
جهز السباعي المسرح بأحدث الديكورات واستقطب 40 ممثلًا موهوبًا ومخرجًا محترفًا، وأعد مسرحيات مثل “فتح مكة”. ورغم جاهزية المسرح الذي اتسع لألف مشاهد، إلا أن مشروعه اصطدم بالفجوة بين الفن المسرحي والذهنية الاجتماعية السائدة في ذلك الحين، ما حال دون استمراره، لكنه ظل مسجلًا في التاريخ كأول محاولة مؤسسية للمسرح في السعودية.
الإرث الأدبي والجوائز
أثرى السباعي المكتبة العربية بأكثر من 20 كتابًا، تنوعت بين التاريخ والقصة والسيرة الذاتية. ويعد كتابه “تاريخ مكة” مرجعًا أساسيًا في بابه، كما برزت روايته “اليتيم المعذب” ومجموعاته القصصية كـ “خالتي كدرجان”. وتتويجًا لهذا العطاء الحافل، نال جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1983م، قبل عام واحد من رحيله.
إن سيرة أحمد السباعي هي قصة كفاح من أجل التنوير، ورسالة تؤكد أن الريادة تتطلب قلباً يؤمن بالتغيير وعقلاً يقدس المعرفة.


















