المجالس الاجتماعية.. جسور للتواصل أم جدران للعزلة؟

المجالس الاجتماعية.. جسور للتواصل أم جدران للعزلة؟
المجالس الاجتماعية.. جسور للتواصل أم جدران للعزلة؟

تعد المجالس في ثقافتنا العربية والإسلامية رئة المجتمع وحصنه الحصين؛ فهي لم تكن يومًا مجرد جدران وأثاث، بل مراكز حيوية لصناعة الألفة. وتأصيل المودة، ولم شمل العائلات تحت سقف الحكمة وتوقير الكبير.

إلا أن التحولات المعاصرة بدأت تكشف عن ظاهرة مقلقة. حيث تحول بعض هذه المجالس من “محاضن للتقوى” إلى ما يمكن تسميته بـ مجالس الضرار”، التي تفرق أكثر مما تجمع.

من مسجد التقوى إلى مجلس التفرقة

يضعنا التأمل في مفهوم “مجلس الضرار” أمام مقياس دقيق للحكم على مجالسنا المعاصرة. فالمجلس الأصيل الذي يؤسس على نية الإصلاح وتواصل الأرحام يشبه في جوهره “مسجد التقوى”؛ لأنه يبني نسيجًا مخلصًا ويسوده الوفاق.

أما حين تتحول المجالس إلى أدوات للتنافس الخفي، أو التحزب الأسري والقبلي، فإنها تفقد روحها. فليس الخلل في بناء المجلس ذاته، بل في “النية” التي قام عليها.

فالمسألة ليست في فخامة البناء، بل في قصد الباني؛ فمن بنى مجلسًا ليفرق بين أقاربه أو ليصرف الأنظار عن مجلس العائلة الكبرى، فقد أحدث إفسادًا اجتماعيًا للتفريق بين المؤمنين.

مظاهر “الضرار” في واقعنا المعاصر

وفقًا لـ” kalemtayeb”تتجلى صور هذا التشرذم الاجتماعي في مشاهد مؤلمة نراها اليوم:

  • المجالس المتقابلة: أن تجد في الحي الواحد أو داخل العائلة الواحدة مجالس متنافسة لا يفصل بينها سوى أمتار، كل منها يدعي الحق والقرب.
  • إضعاف الكيان الأكبر: إقامة مجالس في مناسبات اجتماعية (كالأعراس أو العزاء) لا بقصد المشاركة الوجدانية. بل لإضعاف مجلس العائلة الأصلي أو تشتيت الحضور عنه.
  • منابر النميمة والتفاخر: تحول المجلس إلى منصة لنشر الإشاعات، أو استعراض الماديات والمكانة الاجتماعية، مما يذكي نيران الأحقاد والغيرة.

الآثار النفسية والاجتماعية.. هدم البنيان من الداخل

تتجاوز آثار هذه الظاهرة مجرد “الفرقة المكانية” لتصل إلى أعماق النفس والمجتمع:

  1. نفسيًا: تولد هذه المجالس مشاعر الإقصاء والتوتر المكتوم، وتزرع “المسافات النفسية” بين الإخوة والأقارب.
  2. اجتماعيًا: تضعف النسيج الاجتماعي وتشتت وحدة الصف، والأخطر من ذلك أنها تسقط هيبة الكبار الذين كانوا يمثلون مرجعية الإجماع والاحترام.
المجالس الاجتماعية.. جسور للتواصل أم جدران للعزلة؟

نحو استعادة “فسحة النفس” قبل المكان

إن استعادة المكانة الأصيلة للمجالس تتطلب تعزيز ثقافة “المجلس الواحد الجامع”، وإحياء آداب المجالس الإسلامية من توقير للكبير، وتجنب للغيبة، وإفشاء للسلام. فالمجلس الذي يبنى على الود والتقوى هو الذي يبقى أثره وتُعمر به النفوس، أما ما بُني على الرياء والمنافسة فمصيره الزوال مهما تجملت جدرانه.

إن مجلسًا واحدًا يضم القلوب المشتتة خيرٌ من مجالس فخمة تزرع الفرقة؛ فالعبرة ليست بجمال المكان، بل بنقاء النية وصفاء المقصد.

الرابط المختصر :