لا يبدو أن النصوص القانونية العقابية كانت كفيلة بأن تضع حدًا لتفشي ظاهرة العنف ضد المرأة، بل وقد صارت لا تعد حلًا حاسمًا. لأنها مجرد عقوبات تتعلق بشخص الجاني ومرتكب العنف ضد المرأة فقط.
هناك فلسفة عقابية لا تعني بمعاقبة شخص الجاني فقط وإنما بتوفير معالجة نفسية واجتماعية ودينية له. طوال فترة قضاء عقوبته داخل المؤسسة العقابية. ويأمل أنصار هذه الفلسفة أن يكون في ذلك رادع كافي للعنف .
المتفق عليه أن القضاء على ظاهرة العنف يعود بالدرجة الأولى إلى طبيعة التنشئة وأسلوب التربية داخل الأسرة. فهي الهدف وهي الأساس، ولمستوى أفرادها الثقافي والتربوي تأثير كبير في رقيها الفكري وسموها الأخلاقي. وتقدم مستوها الاجتماعي وتطور سبل عيشها وتحسين وضعها الاقتصادي. وبالتالي تجنيب الأسرة الوقوع في فخ المشكلات الحادة سواء المسببة أو الناجمة عن أشكال العنف.
والمتفق عليه كذلك أن العنف الأسري يصدر عن الأب أو عن الأم، أو ربما يصدر من أحد الأبناء اليافعين. نتيجة اندفاعه وتهوره في سنوات المراهقة الحائرة تجاه بقية أفراد الأسرة. وغالبًا ما يكون عنف الأبناء أشد إيلاما وسيكون له تبعات غير محمودة كحدوث تشوهات جسدية أو صدمات نفسية خطيرة. وكلاهما سيترك آثارا سيئة في النفس والذاكرة العميقة.
يذهب تفسير المختصين لظاهرة العنف إلى أنه سلوك قد يمارسه الفرد. لأسباب تعود إلى احتمال تعرضه في صغره لغضبة هو جاء أو لتصرفات عنيفة. لذا فهو يمارس نفس السلوك العنيف على من هم في المحيط الأقرب إليه وهم أفراد أسرته. أي أن طبيعة التربية التي يتلقونها الأفراد في الصغر هي التي تجعل من بعض الأطفال رجالا عنيفين.
فالعنف الذي مورس عليه في طفولتهم يمارسونه هم بدورهم على زوجاتهم أو أبناؤهم مستقبلًا. وقد يكون السبب وراء إثارة نوازع العنف الكامن في الفرد عدم تكيفه اجتماعيا مع السلوك الشائع في الأوساط الشعبية وعدم قدرته على مواجهة صعوبات العيش.
وعلى ذلك يعود في الغالب عنف الآباء إلى شعوره بالعجز أمام غلبة تعقيدات الحياة. وعدم تحمله الضغط المتزايد عليه وإحساسه بالفشل في توفير مصدر رزق آمن ومضمون لأسرته.
فيلجأ أولا إلى العنف اللفظي للتعبير عن ضيقه ثم إلى العنف السلوكي مع الأشياء للتعبير عن عدم رضاه عمن حوله. ثم العنف الجسدي للتنفيس عن ما يجيش في صدره من مشاعر الرفض والاعتراض على ظروف عيشه وواقع حياته. وفي الغالب يكون أثناء ذلك متجاهلا -وكأنه في غيبوبة- للجوانب السلبية والنتائج السيئة التي ستترتب على حاله وعلى حاضر أسرته ومستقبلها. وإذا كانت قناعتنا بأن الأسرة تمثل دومًا اللبنة الأساسية والنواة الأولى في المجتمع فإن العنف الذي يخدشها يعتبر آفة تفتك الشعوب.
الأمثلة على عنف الأزواج في الحياة مؤلمة وكثيرة جدًا، تحكيها زوجات صبرن على القسوة والضرب والإهانة من أجل أولادهن ولكن كان القاسم المشترك بينهن أن القلب يتحمل. ولكنه لا يحمل أكثر من ما لا يطيق، والنتيجة الحتمية كان الطلاق، الطلاق ولو بعد مرور عشرين سنة زواج مرير.
والسؤال الحائر هو إذا كان الطلاق في النهاية قد وقع بكل بساطة وبمنتهي السهولة والرضا من الزوج. فلماذا كانت مشقة البداية بالزواج؟ هل كانت فقط لمجرد التمتع الجنسي وممارسة السيطرة والهيمنة على حرائر بنات الناس والعائلات؟ هل السلوك العنيف لبعض الأزواج نوع من الهستيريا لم تكن جلية في فترة الخطوبة؟.
وعليه هل يمكن اللجوء إلى إلزام الزوجين بتطبيق إجراءات أكثر صرامة قبل عقد القران لإثبات تمتعهما بالصحة الجسدية الشاملة. والصلابة النفسية والسلامة العقلية بشهادات موثوقة.
وأيضًا التأكد من قدرتهما الإنجابية السليمة والخالية من العيوب!! فليس الأمر سهلًا كما يظن الشباب المستهتر. وليس الزواج مجرد متعة جنسية عابرة، الزواج ميثاق غليظ تم على سنة الله تعالى ورسوله. وكلا من الزوجين مسؤولان ويسألان عن ما فعلاه تجاه بعضهما في ظل هذه الرابطة المقدسة.
قد لا ترحم نظرة المجتمع للزوجة الشاكية من عنف زوجها أو للمرأة للمطلقة، فالأفكار الخبيثة والعبارات اللئيمة والتعليقات السيئة ستحيط بها من كل جانب. لذا سنجد بينهن من رأفت بحالها وأشفقت على نفسها من مرارة الهمز واللمز فصبرت حتى لا تقع تحت رحمة مجتمع لن يعينها على حالها إلا قليلًا.
والمجتمعات البدوية والقروية وكذلك الصحراوية لا تعترف للمرأة بأي حقوق سوى بطعامها وكسوتها ودوائها. أما الانتصار لها في مواجهة عنف الزوج فهو أبعد ما يكون لها. المجتمع في مثل هذه البيئات لا يمنح هامشًا واسعًا من حرية الرأي والموقف والتعبير للزوجة. وإذا تمكنت إحداهن من فرض رأيها فهذا يرجع أساسًا لضعف مشين في شخصية الرجل وقوة وثوق الزوجة من نفسها.
الزوج العنيف لن يوقف عنفه إذا لم يجد رادعًا يوقفه عند حده. وتشدد نصائح المختصين في قضايا العائلة أن لا تسكت المرأة التي تعرضت للضرب خجلًا أو خوفًا. بل أن يذهبن إلى مصالح الشرطة أو إلى مقر الجمعيات الخاصة لمساعدتهن، فإذا سكتن وخفن فإن الأمر سيتكرر حتمًا.
وهناك الكثير من الأزواج توقفوا عن ضرب زوجاتهم بعد أن أدركوا أن هناك قوانين صارمة تعاقبهم، وأنهم يمكن أن يتعرضوا لعقوبة السجن. ومن الأزواج من يمكن أن يعالجوا عند طبيب نفسي متخصص، وسواء تمت تسوية الأمور عبر القانون أو عبر العلاج النفسي. أو من خلال الضغط العائلي والاستهجان الاجتماعي فالقول الفصل أنه من الخطأ خوف وسكوت أي امرأة ضحية التعرض للضرب من زوجها. لأن إخفاء ما تتعرض له من معاناة يفتح أمام الزوج العنيف مجالًا بلا حدود في عنفه.
ولا شك أن في مناسبة الاحتفال بيوم المرأة العالمي المصادف بتاريخ 8 مارس مناسبةً طيبة وفرصة ثمينة لتعميق الوعي بخطورة ظاهرة العنف ضد المرأة. والتعبير عن عميق التقدير وواسع التضامن مع المرأة.
فقد عرّفت منظمة الأمم المتحدة العنف ضد المرأة على أنه أي عمل عنيف يؤذي أو يحتمل أن يتسبب في الألم الجسدي أو النفسي أو يسبب معناة للمرأة. بما في ذلك التهديد بارتكاب هذه الأعمال أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء كان ذلك في الحياة العامة أو الخاصة. ونلاحظ التوسع في التعريف بما يضمن توفير عنصر الصرامة والإجبار على التزام العدل لحماية المرأة من عنف الرجل.



















