من سمات الأسرة الحنان والتفاهم والجلوس على المائدة لوقت يتعدى وجبة الفطور، أو في صالات المعيشة لحل شتى المسائل التي تعتري أفرادها في الحيـاة، غير أن تطور العالم بسرعة هو الآخر جـاء ليحتل السطر الأول من قاموس العلاقـات الأسريـة، واستوطنت الوسائل التكنولوجية الحديثة جل زوايا الزمن الذي يقضيه الأفراد داخل أسوار البيت.

حال الأسرة اليوم في ظل اضمحلال صلة الترابط داخلها، والتي بات يجمعها السقف الواحد فحسب لا أكثر، يتخذون من دهاليز المنزل عالما افتراضيا بحتا، بتفـاصيل الشتات والإنفراد تحت الخضوع لمسكن الإنترنيت والهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية والتلفزيونات المتعددة بتعدد الغرف الموجودة لاستنزاف الحنان المنعدم في أحضانها، وحتى رب العائلة لم يعد يهتم بلم شمل عائلته، وصار منقادا لاتبـاع المقابلات الرياضية وبشكل منفـرد، فالتعدد فـي جـل الحالات موجود، كيـف لا، وتعدد الوسائل يجعل من مستهلكها مدمنا عليها ولو على حساب تعاليم أسرته.
بين عصرنة الأبناء وتحفظ الآباء.. تنعدم حلقة التواصل
فالبعض يجد في وسائل التكنولوجية الحديثة ضالته؛ لأن في المنزل لا أحد يسمعه أو يفهمه، بل لا أحد يعيره الاهتمام، في حين أن الإنترنيت تصله بأشخاص غرباء أو بأصدقاء يهبونه من وقتهم ما يساعده في اتخاذ العديد من قراراته في الحياة”، هذا الزمن هو زمن التكنولوجيا والعلوم والاستكشاف، هذا ما يدفع بهم إلى مواكبة العصر، ويرون في تفكير الوالدين تفكيرتقليدي يتماشى وجيلهم، في حين هم يبحثون عن من هم من جيلهم. لأن الحديث معهم يكون سهلا وخفيفا، فجل أوقاتهم وحتى خارج المنزل دائما على تواصل مع الآخرين للإطلاع على المستجدات التي يصعب عليهم تحصيلها من جلسة العائلة.
يصف أحد الشباب علاقته مع أسرته بشيء من اللامبالاة: ”أمي وأبي يعملان طوال اليوم ولا يرجعان إلا مساء حيـن يغيب ضوء النهـار، وفور وصولهما كذلك يظـلان منهمكيـن بالعـمل، فأمي مع الواجبات المنزلية وتذهب للنوم مباشرة بعد إنهائـها بفعل التـعب، وأبي هو الآخر يكفيه أن يطمئن على وجودي بالمنزل، ومعظم وقته يتمحور بين مشاهدة التلفاز في غرفته أو على شبكة الإنترنيت لإتمام عمله، ولأني الٳبن الوحيد في العائلة فحتما سينتهي بي المطاف في غرفتي إما ألهو بالهاتف أو أتواصل مع الأصدقاء.
أسوار بيوت باردة
من جانب آخر، يرى أرباب العائلات أن سطحية أولادهم ورفضهم المطلق لآراء الكبار دون المضي معهم في الحديث والاقتداء بخبراتهم يخلق فجوة في التفاهم وسط الجو العائلي. وتباينا في المعلومات ومصادرها، هم يرون هذا الجيل لا ينصتون لنصائح المجربين من ذويهم في حين ينبهرون بخبرات افتراضية ربما لا أساس لها من الوجود. جيل منهمك بوسائل التكنولوجية، مع الهاتف أو مع الألعاب الإلكترونية وعلى الكمبيوتر المحمول ومع التلفاز. ليجد الأب نفسه في الأخير مع زوجته فقط، بحسرة ترددها مشاعرهم أين نحن من تلك الجلسات العائلية في زمن مضى. حيث كان الجميع يتمحور حديثه عن موضوع واحد ومعين، وكان كل فرد يهتم بهموم الآخر. وصرنا اليوم نعيش في بيوت أسوارها باردة في شتى الفصول“.
بخطى ثابتة نحو تلاشي المجتمع التراحمى
هذا الخلل الناتج عن الٳنشغال المفرط بالوسائل التكنولوجية الحديثة والذي يطال مقومات السلوك الاجتماعي وتحديدًا علاقة أفراد الأسرة فيما بينهم. مسببًا ضررًا كبيرًا ومساسًا برابط صلة الرحم فوسائل التكنولوجية، أصبحت في عصرنا هذا المتنفس الوحيد للشباب والأطفال وحتى كبار السن. يتداولون عليها بدل التجمع في جو أسري حميم يتجسد فيه معنى كلمة العائلة ويتم فيه التطرق لمواضيع تعنيهم في الحياة اليومية تحت سترة الإسلام. ثم إن ديننا الحنيف يحثنا على التقرب لا التنافر الذي نشهده الآن بفعل تلاشي المجتمع التراحمي.
هي صورة الحاضر المؤلم الذي تنصهر فيه مكامن العلاقات الأسرية والاجتماعية القديمة بفعل التطور الهائل للتكنولوجيا وتعدد وسائلها. يكفينا اليوم أن ندخل أي منزل لندرك مدى تلاشي العلاقات الأسرية و انعدام التحاور العائلي، فنجد كل فرد مستقل بنفسه في زاوية من المنزل. أو منعزل في غرفته ليسبح على طريقته في بحر التكنولوجيا والمعلوماتية مفضلًا العالم الافتراضي على الجلوس وسط أسرته.. لينشب الصراع بين الأجيال.





















