الأبواب الخشبية في عسير.. حضارة تتحدث بالنقوش والزخارف

الابواب الخشبية في عسير.. قصة حضارة تنطق بها الزخارف والنقوش
الابواب الخشبية في عسير.. قصة حضارة تنطق بها الزخارف والنقوش

تعد الابواب الخشبية القديمة في منطقة عسير والجزيرة العربية شاهدًا حيًا على مهارة الانسان وابداعه الذي قاوم عوامل الزمن لمئات السنين، حيث لم تكن هذه الأبواب مجرد وسيلة للاغلاق والحماية، بل تحولت الى لوحات فنية تعكس العمق الحضاري والاجتماعي للمنطقة، وأرضًا خصبة لدراسة الفنون المعمارية التقليدية التي اذهلت الباحثين محليًا ودوليًا.

الرمزية الاجتماعية والابعاد الجمالية

كما ارتبطت الزخرفة الخشبية في العمارة التقليدية بالراحة النفسية، حيث كان الانسان يسعى دوما لتجميل ادواته ومحيطه. وقد اصبحت هذه النقوش والزخارف رمزا لمهارة النجار ومسوقًا لاعماله، بل ووصلت الى حد كونها دلالة على الوجاهة الاجتماعية والوضع الاقتصادي لصاحب المنزل؛ فكلما زادت دقة الصنعة وغنى الزخارف ونوع الخشب، عكس ذلك ثراء الساكن ومكانته. وفي مقابل ذلك، كانت أبواب عامة الناس تبدو أكثر تواضعًا. بينما يتجلى دور المراة في تزيين النوافذ والأبواب الداخلية لتضفي لمسة ترحيبية بالضيوف.

الابواب الخشبية في عسير.. قصة حضارة تنطق بها الزخارف والنقوش

أسرار المهنة.. خشب الطلح والابداع الهندسي

لعبت البيئة المحلية دورًا جوهريًا في تزويد الحرفيين بالمواد الخام، حيث برز شجر “الطلح” كأفضل انواع الخشب لصناعة الأبواب نظرًا لتماسك اليافه وسهولة الحفر عليه. وقد استلهم النجار الشعبي عناصره الزخرفية من الطبيعة المحيطة به، محولًا الجبال الى مثلثات، والشمس إلى دوائر. وأغصان الشجر إلى خطوط راسية، فيما تحولت حبات اللوز إلى زخارف لوزية فريدة.

واتسم هذا الفن باعتماده على التقسيمات الهندسية والرموز النباتية، مبتعدًا عن تجسيد الكائنات الحية، وهو نهج اصيل في الفن الزخرفي الاسلامي. واستخدم الفنان اشكالًا مثل المثلثات المتقابلة والمعينات المترابطة. ما خلق تناغمًا بصريًا يجمع بين الدقة الفنية والقيم الجمالية.

العادات المرتبطة بالابواب

تجاوز الاهتمام بالأبواب حدود الصناعة ليصل الى العادات الاجتماعية؛ فقد كان الاهالي يحرصون على تجديد زينة أبوابهم واستقبال الأعياد بتجميلها. وفي تهامة الساحلية، كان البعض يزرع النباتات العطرية امام مداخل البيوت لتنشر النسائم الزكية في الداخل. كما انعكس هذا الاهتمام في الامثال الشعبية مثل قولهم “صك بابك واعف جارك”، دلالة على الستر وتجنب المشكلات. فيما كان النجار يحظى بتقدير بالغ في مجتمعه لدرجة الاحتفاء بمولوده باعتباره الوريث لهذه الحرفة العريقة.

الأبواب الخشبية في عسير.. قصة حضارة تنطق بها الزخارف والنقوش

توثيق عالمي وارث خالد

جذبت هذه الفنون انظار الرحالة والباحثين الدوليين. ومن ابرزهم الباحث الفرنسي “تيري موجيه” الذي وثق الحياة والعمارة في عسير خلال الثمانينيات الميلادية بأكثر من عشرة الاف صورة، اصدرها في عدة كتب تبرز الطراز العمراني والزخارف الجدارية. واحتفاء بهذا الارث، قامت وزارة الثقافة السعودية باعادة نشر اعماله تقديرًا للدور الذي لعبه في توثيق التراث والحضارة في جنوب المملكة.

وتعد الأبواب الخشبية في عسير ليست مجرد قطع من الخشب، بل هي هوية بصرية وتاريخ مكتوب بالنقش الغائر. يؤكد على براعة الحرفي السعودي وقدرته على تطويع الطبيعة لصناعة فن خالد يتوارثه الاجيال. وذلك وفقًا لـ وكالة الأنباء السعودية “واس”.

الرابط المختصر :