السينما فن سابع أم فن جامع؟

السينما هي الفن السابع حسب تاريخ ظهورها بعد الفنون الست الكبرى، وهي العمارة والنحت والرسم والأدب والموسيقى والأداء. ولكنها الفن الأول من حيث استحواذها على اهتمام شعوب العالم.

منذ ظهور الصورة المتحركة أواخر القرن التاسع عشر وقبل أن يصبح الفيلم ناطقًا ثم ملونًا. لم يتطلب هذا الاختراع الجديد سوى سنوات أو ربما أشهر لينتشر انطلاقًا من مهده في أوروبا عبر مدن العالم وصولًا إلى الغرب الأمريكي وإلى بومباي وبكين شرقًا مرورًا بالقاهرة.

وطوال القرن العشرين ظلت دور السينما من معالم العواصم الكبرى والمدن الكبرى من أقوى نقاط الجذب فيها نافست بنجاح المتاحف والمكتبات العامة. فبات التوجه إلى صالات السينما فعلًا ترفيهيًا وثقافيًا ضمن البرامج الأسبوعية عند الملايين.

السينما وتحديات الفرجة الجديدة

منذ أن وجد هذا الفن تزاحمت الأسئلة حوله، هل هو فن حقيقي أم مجرد ترجمة بالصورة المتحركة لنصوص أدبية أو لتواريخ محددة سلفًا؟ هل هو فن إبداعي أم صناعة؟ وهل هو لعبة تجارية أم أدوات تلاعب فكرية؟.

هذه ليست سوى قلة من زحام الأسئلة التي طرحت بإلحاح كما يحدث في كل مرة يصل فيها فن القرن العشرين إلى لحظة مصيرية في تاريخه. لعل اللحظة الراهنة تبدو مصيرية أكثر من أي وقت مضى إذ تعيش السينما لحظة انتقالية لا سابق لها بفعل ظهور وسائط أخرى حديثة. يرى البعض فيها أنها تنافس السينما في إيصال الفيلم إلى المشاهد على نحو أوحى للبعض بأن التحولات التي تحيط بهذا الفن قد تعني موت صناعة الفيلم نفسه.

إن التطور التكنولوجي وانتشار تقنيات” الفرجة” الجديدة والحديثة وبالغة التنوع باتت لدى الكثيرين تهدد بشكل أو بآخر عملية العرض السينمائي الجماعي نفسها.

وبصيغة أكثر تحديدًا وجود صالات السينما التي ظلت في مدن العالم طوال القرن العشرين من أبرز أماكن الاحتشاد البشري وأكثرها ألفة. وذلك بعد أن أصبحت وسائل عرض الأفلام تأخذ الطابع الخصوصي الفردي المنزلي أو غير منزلي كنوادي الفيديو.

ومع ذلك فالقناعة القائمة أن الأمر سيحتاج في مطلق الأحوال أفلامًا تعرض هنا وهناك، وأن تعريف الأفلام لا حدود له بين روائية، ووثائقية، وطويلة وقصيرة. هذه التمايزات التقنية تتعايش في عالم السينما وستظل متعايشة طالما الناس في حاجة إلى مشاهدة أفلام تتحرك أمام أعينهم. تعرض لهم حكايات أو أحداثًا أو مشاهد منذ صياغتها الأولى كفرجة جماعية على أيدي الأخوين الفرنسيين أوغست ولويس لوميير. بدءً من الغرفة السوداء التي يفيد متحف السينما في مدينة فرانكفورت بأن مبدعها الأول كان العالم المسلم ابن الهيثم.

صورة وثائقية للإخوة لوميير
العالم العربي المسلم “ابن الهيثم”

من المهد إلى اكتساح مدن العالم

منذ تجربة الأخوين لوميير التي جرت في حفل خاص بمقهى في باريس أواسط تسعينيات القرن التاسع عشر بعرض مشاهد ” صادمة”. مثل ” دخول القطار محطة لاسيوتا” أو “خروج العمال من المصنع (1895)” لم يتوقف العرض السينمائي عن إدهاش المتفرجين.

“وصول القطار إلى محطة لاسيوتا”
“خروج العمال من المصنع”

ثم منذ تجارب الفرنسي الآخر جورج ميلياس في صنع شرائط روائية تعبق بالخيال والتاريخ. ومن بعده عشرات ثم مئات السينمائيين الذين مزجوا السينما بالأدب والفنون كافة. ثم بالموسيقى وعوالم الجريمة والمسرح، وحملوا أسماء باتت اليوم أسطورية مثل تشارلي شابلن.

السينمائي الفرنسي “جورج ميلياس”

 

واجهت الانطلاقة البدائية الخجولة، المتعثرة وغير الواثقة من المستقبل للصور المتحركة هجمة عداء من عديد المبدعين والمثقفين والفلاسفة. ولكن سرعان ما سارت هذه الصور جزءًا أساسيًا من ثقافة شعوب بأسرها وصانعة لذهنيات اجتماعية. تمكنت السينما من أن تكون حراكًا إبداعيًا موازيًا للآداب والفنون بل بديلًا عنها ومكملًا لها.

وصارت في بضع سنوات ملء الدنيا وشاغلة الناس  والفن الذي انطلق خجولًا سرعان ما بات حاضرًا في مدن العالم. باريس، برلين موسكو، لوس أنجلوس، ستوكهولم وكوبنهاجن وصولًا إلى القاهرة ومكسيكو، وبومباي وطوكيو. ولم تعد ثمة مدينة في العالم إلا وباتت صانعة للسينما ومنتجة للأفلام. ودخلت في مضمار النجوم الذي كانت انطلاقته الأولى في هوليوود الأمريكية أولى حواضر العالم لتي تصنع السينما نفسها.

السينما وتعريف العالم على بعضه

بدأت السينما بتصوير مشاهد من الحياة في ما يشبه المتابعة الواقعية البسيطة التي لا تحمل تدخلًا من المخرج. ثم سرعان ما قامت بتصوير المسرحيات ومشاهد الرقص والروايات التي تمزج بين الرواية والتاريخ ثم تصور التاريخ نفسه في مناسبات استغلها السياسيون.

ومن ثمة تم إدراك تلك القوة التأثيرية الكبرى لهذا الفن الجديد على الجماهير عبر روائع سينمائية جمعت بين الفن والدعاية السياسية. فبالمزج بين شتى الفنون والآداب بالترويج وعبر اكتشافات تقنية تحقق تقريب الفن من الحياة مثل السينما الناطقة وفن التوليف والتركيب.

ثم السينما الملونة والشاشة العريضة ” سكوب ” ثم المجسمة والفنون التحريكية الأخرى، وصارت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لمئات ملايين البشر. وبالتراكم كان من لمنطقي أن تخلق السينما أول حالة عولمة معممة على نطاق واسع، حكايات سكان برلين وستوكهولم وإسطنبول باتت في متناول أهل باريس وروما وجاكرتا. وهكذا عرفت السينما كيف تحول القرن العشرين إلى زمن يعرف فيه العالم بعضه بعضا أكثر من أي زمن مضى.

السينما وإتاحة مضامين الآداب والفنون

عرفت السينما كيف تكون وسيلة تعريف الجماهير العريضة على أمهات الكتب والقطع الموسيقية والمسرحيات والأعمال الفنية وضروب العمران في البلدان الأخرى، حدث أنه لم يقرأ سوى بضع آلاف رواية من روائع كاتب مشهور أما من شاهدوها فيلما  فبلغ عشرات الملايين وهنا يكون السجال مفتوحًا حول القيمة الفنية والفكرية لتلك الأفلام وما يقال عن السينما والأدب يمكن قوله عن التاريخ وعن تاريخ وسيرة أشخاص مميزين قدمتهم السينما وأعادتهم إلى الحياة على شاشاتها معيدة قضاياهم نفسها إلى الواجهة مثل غاندي ولورانس العرب وأبراهام لينكولن وشكسبير وطه حسين عمر المختار، وربما من دون السينما كانت ستضحى نسيًا منسيًا.

السينما وتماسها مع علم النفس والفلسفة

يبين تاريخ السينما كم أنها أفادت التحليل النفسي واستفادت منه، فهناك مبدعون جعلوا من التحليل النفسي جوهر عملهم موضوعه وحبكته، واللائحة تطول من ألفريد هتشكوك إلى دافيد كروننبرغ مرورا بصمويل فولر، وستانلي كوبريك ، الذين رأوا التأثيرات  الأساسية للتحليل النفسي في الاستخدام السينمائي لفن التوليف أو للقطة المكبرة.

جدير بالإشارة ذلك الاهتمام المتجدد بفن السينما عند عدد من فلاسفة القرن العشرين منهم من وضع عددًا من الكتب حول الثلاثية الجوهرية في فن السينما الصورة والحركة ومفهوم الزمن، ولم يتوقفوا عن الاهتمام بالبعد الفلسفي للفن السينمائي، ومن هذا المنطلق بات من السهل دراسة تطور التقنيات السينمائية على ضوء كل من التقدم العلمي، والتطور الاجتماعي. لقد بدأ الفن السينمائي ببعد ترفيهي ـ ثم انتقلت لتنهل من التقدم التقني المتزامن مع إقبال جماهيري غالبًا ما كان بريق شهرة النجوم يشده إلى الصالات مثل كوميديا تشارلي شابلن، ومقلديه في هوليوود، وسحر جريتا غاربو وغوامضها، ورومانسيات رودولف فالنتينو، والحضور المدهش لعائلة كابور في السينما الهندية، وسيدات الشاشة المصرية من ليلي مراد، فاتن حمامة، وسعاد حسني، والحقيقة أن هذا السياق هو الذي خلق جزءً أساسيًا من أساطير القرن العشرين.

تفاقم التنويع والتوزيع السينمائي

عرفت السينما العالمية أعدادًا لا تحصى من الأنواع خلال الخمسين عامًا الأولى من بداياتها، من الرومانسي العاطفي، والأفلام الشبابية، وأفلام الواقعية الاجتماعية، إلى السينما السياسية، والأفلام البوليسية وأفلام التجسس، والمغامرات، والسينما الحربية، والسينما التاريخية والدينية، بينما بقيت السينما الإيطالية تحلق على أطلال الدمار الذي لحق بها  أثناء الحرب العالمية الثانية، وتلك الواقعية الجديدة التي بدأت تدنو من الواقع الاجتماعي عبر تحف سينمائية تتسم بطابع السخرية الكوميدية.

السينما السياسية وظروف توسعها 

ظهرت في فرنسا موجة جديدة تتمثل في ترسيخ قيمة المخرج على حساب القيمة الاجتماعية للفيلم. ثم ما لبثت  السياسة أن طغت عبر السينماتيك الفرنسي على النقيض من سياسات وزير الثقافة الديجولي أندريه مالرو. ولم تتخلف بريطانيا، ومن ثم اليابان وبراغ التشيكية وبولندا، وصولا إلى المكسيك. وهكذا صار  لكل منها تيارها السينمائي المسيس، وكانت ذروتها في هوليوود خلال سنوات السبعينيات من القرن  الماضي.

كانت السينما الهوليوودية قد توارت على أيدي مبدعين أوروبيين جاؤوها فارين من نازية هتلر وكراهيته للفنون التقدمية. وحمل هؤلاء معهم خبراتهم المختلفة لأقرانهم الأمريكيين الذين كان جمهورهم وتراثهم يكبلهم، فأمعنوا تجديدًا في الشكل واللغات السينمائية، وبقوا في انتظار فرص تمكنهم من التجديد في الموضوعات، وكاد أن يحدث هذا بالفعل بعد سنوات قليلة من انقضاء الحرب العالمية الثانية، لكن لجنة السيناتور ماكارثي كانت بالمرصاد لكل ما هو متفتح أو تقدمي أو حتى ديمقراطي ناعته إياه بالشيوعي الأحمر في معركة لم تشهد أمريكا مثيلًا لها في تاريخها فتأجلت الثورة الهوليوودية حتى السبعينيات حين انطلق جيل من السينمائيين عرفوا “بأصحاب اللحى” بالتزامن مع انتفاضات شعبية صاخبة تفتح عقليات جامعية وتقاليع أخلاقية متحررة أعادت هوليوود إلى الواجهة من جديد.

الرابط المختصر :