هل يمكن أن تكون صديقًا لشخص سيئ؟

من الطبيعي أن يرى الإنسان نفسه شخصًا مستقيمًا أخلاقيًا. غير أنك قد تكتشف يومًا أن أحد أصدقائك ليس كذلك ربما يخون شريكه، أو يسيء معاملة موظفيه، أو حتى يكون متورطًا في عملية احتيال ضخمة. حينها تبرز أسئلة مؤرقة: هل من الصواب أن تظل صديقًا له؟ وهل استمرار صداقتك به يعكس خللًا في أخلاقك أنت؟ وهل يمكن أصلًا أن تكون صديقًا جيدًا لشخص سيئ؟

ووفقًا لـ”psyche” معظم الناس يميلون إلى إجابة واحدة حاسمة: يجب أن نقطع علاقتنا بالأشخاص السيئين. فمجرد الارتباط بشخص ارتكب فعلًا غير أخلاقي يجعلنا، في نظر البعض، شركاء ضمنيين في ذنبه. لماذا نختار صداقات مع أشخاص مشبوهين بينما يوجد الكثير من الصالحين؟ يبدو وكأن صداقتنا مع من يرتكبون الأخطاء تضعف التزامنا بمواجهة الظلم في العالم.

تأثير الأصدقاء في بعضهم البعض

يرتبط الافتراض الأول بفكرة أن الصفات  تنتقل بالعدوى عبر القرب والاختلاط.  وهذه الفكرة  ليست جديدة؛ إذ تعود جذورها إلى أرسطو، الذي رأى أن الصداقة الحقيقية تقوم على تشارك الفضيلة. كما يؤكد الفيلسوفان دين كوكينغ وجانيت كينيت أن الأصدقاء الحقيقيين ينفتحون على التأثر بقيم بعضهم البعض.
لكن إذا كان هذا صحيحًا، فكيف يمكننا أن نبرر صداقة شخص سيئ؟ ألن نخاطر بأن نصبح مثله مع الوقت؟ انطلاقًا من هذا المنطق، يبدو الانسحاب من تلك الصداقات ضرورة لحماية نزاهتنا الأخلاقية.

الافتراض الثاني: الذنب بالارتباط

أما الافتراض الثاني، فهو لا يتعلق بتأثير الصديق فيك، بل بنظرة الآخرين إليك بسبب صداقتك به. تخيل مثلًا أن أحدًا كان صديقًا مقرّبًا من إيفان الرهيب، الحاكم الروسي الشهير بوحشيته. حتى دون معرفة تفاصيل عن ذلك الصديق، سنميل تلقائيًا إلى الحكم عليه بالسوء، لأن الشخص المستقيم لا يمكن أن يكون مقربًا من طاغية قاتل. فمجرد اعتبارك لشخص شرير صديقًا يوحي بأنك لا تأخذ جرائمه على محمل الجد وهذه في حد ذاتها مشكلة أخلاقية.

حين تصبح صداقة الأشرار خيارًا أخلاقيًا

ومع ذلك، رغم قوة هذين الافتراضين، يمكن أحيانًا الحفاظ على النزاهة الأخلاقية مع الاستمرار في صداقة من يعتبرون “أشرارًا”. المثال الأوضح هو داريل ديفيس، عازف الجاز الأمريكي الأسود، الذي كوّن صداقات مع عدد كبير من أعضاء منظمة كو كلوكس كلان العنصرية على مدى ثلاثين عامًا. لم يكن هدفه تبرير أفعالهم أو الدفاع عنهم، بل فهم أسباب معتقداتهم العنصرية. ومع مرور الوقت، نجح ديفيس من خلال هذه الصداقات في إقناع كثيرين منهم بالتخلي عن الكراهية وترك المنظمة نهائيًا.

لماذا لا تفسد الصداقة دائمًا الأخلاق

تجربة ديفيس تكشف حقيقتين مهمتين:

أولًا، أن الإنسان الواعي الذي يدرك خطأ معتقدات صديقه الأخلاقية لا يكون معرضًا بسهولة لتأثيرها. فالصداقة لا تعني بالضرورة تبني أفكار الآخر. تمامًا كما يمكن أن تتجاهل توجيهات صديقك السيئ في القيادة إذا كنت تعلم أنه ملاح غير موثوق به، يمكنك أن تبقى صديقًا لشخص دون أن تتبنى أخطاءه أو قناعاته المنحرفة.

وثانيًا، أن اختيار الصداقة لا يعكس دائمًا أولوياتنا الأخلاقية. فديفيس لم يختر مصادقة أعضاء الكلان لأنه يتجاهل عنصريتهم، بل لأنه أراد أن يمنح نفسه والآخرين فرصة للفهم والتغيير. الصداقة قد تكون وسيلة لمساعدة الآخرين على النهوض أخلاقيًا، كما هي وسيلة لدعمهم نفسيًا. وكما يمكن للصديق أن ينقذ صديقه من اليأس، يمكنه أيضًا أن ينقذه من ظلام التعصب.

حين تكون الصداقة وسيلة للإصلاح

حتى لو لم يسعَ الصديق إلى تغيير صديقه السيئ، فإن مجرد وجود علاقة صداقة مستقيمة قد يكون له أثر أخلاقي إيجابي. ربما كان ديفيس هو الصديق الوحيد الذي قدم نموذجًا مختلفًا لأعضاء الكلان. لو أنه قطع علاقاته بهم، ربما ازدادوا انغلاقًا وتطرفًا. لذا، من منظور أخلاقي، قد تكون صداقة الأشرار في بعض الأحيان الخيار الأفضل، لأنها تفتح نافذة للحوار والتغيير.

 

الرابط المختصر :