الدكتور زياد مقدادي يحاور "الجوهرة" حول كتابه "أوراق في جبال عسير".. لي ذكريات لا تنسى بتلك المدينة.. وللمكان قدرة كبيرة على جذب الإنسان وسحره

في رحلةٍ أدبيةٍ وجدانيةٍ، يُشاركنا الدكتور والباحث الأردني زياد مقدادي تفاصيل رحلته في كتاب "أوراق في جبال عسير"، مُمزجًا بين مشاعر الغربة والحنين إلى الوطن، وبين مشاعر الانبهار بجمال الطبيعة والثقافة العسيرية بالمملكة العربية السعودية.

في حوارٍ خاص مع مجلة الجوهرة، يكشف لنا الدكتور مقدادي عن دوافع تأليف هذا الكتاب،  ونستكشف دوافع الدكتور مقدادي لتوثيق تجربته الفريدة في تلك الجبال العتيقة.

ما الذي دفعك لتأليف كتاب بعنوان "أوراق في جبال عسير" وما هو مضمونه؟

عندما ينظر الإنسان في ذاته ونشاطاته المختلفة يكون حريصًا على إثبات قدرته في التغلب على العقبات التي واجهته في الحياة، ولعل من أهم هذه العقبات ما يرتبط بالناحية الوجدانية، وفي الوقت الذي يغترب فيه الإنسان عن وطنه فإنّ التحول في المشاعر ينعطف صوب المشاعر السلبية، لا سيّما إذا اغترب المرء منفردًا بعد أنْ قضى الشطر السابق من حياته بين أهله وخلانه.

الدكتور والباحث الأردني زياد مقداديالدكتور والباحث الأردني زياد مقدادي

وهذا ما حصل معي بشكل خاص عندما قدِمت إلى المملكة العربية السعودية – حفظها الله – إذ وفقني الله للتغلب على كثير من المشاعر والانفعالات السلبية، فأردت أن تكون تجربتي موثّقةً للتأكيد على أنّ المرءَ قادر على التغلب على الصعوبات، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية رغبت أنْ أبرز الصورة الحقيقيةَ للمكان (محايل عسير) وأثره على النفس رغم صعوبته وقسوة مناخه.

وقد أشرت إلى ذلك في مقدمة العمل: " رِحُلَةُ عَمَلٍ رافقَتها أحداثٌ عَديدةٌ وتفاصيلُ كثيرةٌ، سَعَيْتُ إلى تَدوينِها؛ بَعْدَ أنْ تولّدَتْ في نفسي فكرتُها، وجاءت فكرةُ كتابةِ هذه الذّكرياتِ بعدَ سبعِ سنينَ مضيتُها بعيدًا عن وطني وأهلي، حاولتُ كثيرًا أنْ أخفيَ ما يتملّكُني ويهيّمنُ عليّ من مشاعرَ وانفعالاتٍ طيلةَ وجودِي بعيدًا عن الوطن، وآنَ الأوان ُأنْ أُعرِيَ بعضًا من تلكَ المشاعرِ وأبوحَ بها لأمرينِ: أولُهُما كَشْفُ الوجْهِ الحقيقي لِبَعْضِ الأحداثِ التي عايشتُها مُدّةَ إقامتي بعيدًا عن وطني، وآخرهما إبرازُ أهميةِ المكانِ الذي سكنتُه وعِشْتُ فيهِ معَ أُناسٍ يَبْعثونَ الأملَ وَيرسموَنَ الابتساماتِ والفَرَحَ على وجوهِ الآخرين رُغمَ كَثيرٍ من الصُّعوبات التي تُواجِهُهم".

الدكتور والباحث الأردني زياد مقداديالدكتور والباحث الأردني زياد مقدادي

كيف تمت زيارتك لمنطقة عسير في المملكة العربية السعودية؟ وما هي الانطباعات التي تركتها عليك؟

قدمت إلى عسير في رحلة عمل، حيث عملت لمدة عشر سنوات أستاذًا مساعدًا للأدب العربي القديم بفرع جامعة الملك خالد بتهامة ثم حصلت على ترقية علمية إلى رتبة أستاذ مشارك.

أما الانطباعات التي تولدت خلال تلك السنوات فهي انطباعات جميلة عن المكان وأهله وعاداتهم وتقاليدهم.

 ما الذي جعلك تشعر بالحب والانجذاب للسعودية رغم أنك من جنسية أردنية؟

للمكان قدرة كبيرة على جذب الإنسان وسحره، ما يجعله وثيق الارتباط به، وخلال فترة إقامتي في السعودية تنقلت بين عدد من المناطق وأقمت فيها مددًا زمنية عديدة، وفي كل زيارة إلى مكان جديد في المملكة أجدُ ما يشدني، ومن مظاهر ذلك: التنوع المناخي، والتنوع الثقافي المتمثل بالعادات والتقاليد والنشاط الثقافي، والاهتمام البارز من المؤسسات الرسمية بهذا النشاط، وإلى جانب ذلك حسن التنظيم الإداري الخدماتي في مناطق المملكة ومدنها.

الدكتور والباحث الأردني زياد مقداديالدكتور والباحث الأردني زياد مقدادي

 هل يمكنك مشاركتنا ببعض القصص أو اللحظات البارزة التي تضمنها كتابك وتعبر عن تجربتك في جبال عسير؟

لعلّ من باب الوفاء للإنسان أن أذكر بعضًا من اللحظات المرتبطة بمن عايشتهم في جبال عسير، وأكثر من كان له يدٌ فضلى عليّ زوجتي ((رزان))، الذي مثّل حضورها نوعًا من أنواع التحول الإيجابي في موطن الاغتراب.

ولا أنسى الأخ الزميل الدكتور صالح بن أحمد السهيمي الذي وجدتُه حريصًا على الأخذ بيدي دائمًا صوب بوابات النجاح.

الدكتور والباحث الأردني زياد مقداديالدكتور والباحث الأردني زياد مقدادي

ومن التجارب الشخصية التي لا يفوتني ذكرها: "ذات يوم من عام 1437هـ وبينما كنت مشغولًا ليلًا خارج منزلي وبعيدًا عن أسرتي للتنسيق بشأن الملتقى العلمي الذي أطلقته كلية العلوم والآدب للبنات بمحايل عسير، حتى بلغ الإرهاق مني مبلَغًا كبيرًا، واتصلت عليّ عميد الكلية آنذاك الأستاذة سميرة عواض الصائغ، وتبادر إلى ذهني مباشرة أنّ الاتصال مرتبطٌ بالملتقى العلمي، فردَدتُ على اتصالها وبعد التحية بادرت: مستفسرةً: هل عرفت بالخبر دكتور زياد؟ عندئذ تيقنت أنّ الأمر مرتبط بالملتقى وقد يكون أُجِل أو أُلغي، فأجبتها أي خبر؟

فأخبرتني أنّ عميد عمادة التطوير الأكاديمي والجودة بالجامعة تواصل معها بخصوصي (ومع هذه العبارة ازداد مؤشر التوتر ارتفاعًا ونبضات القلب دقًا). وأخبرها العميد أنّني قد حصلت على جائزة التميز في التدريس الجامعي.

عندئذ انتابني شعور جميل بعد لحظات من غياهب الفرحة، فنسيتُ ما أنا به من إرهاق وتعب شديدين، وأدركت أنّ التعب الجسدي مهما بلغَ أوجه فإنّه زائل لا محالة، وأنّ الله يوفي كلّ ذي حقّ حقه.

الدكتور والباحث الأردني زياد مقداديالدكتور والباحث الأردني زياد مقدادي

 كيف استفادت منطقة عسير من الزيارة والتجربة الشخصية الخاصة بك؟

بعد أن قدِمت إلى المملكة بعدة شهور قررت أنْ أواصل ما اعتدت عليه سابقًا في الأردن، ألا وهو تفعيل النشاطات اللامنهجية في العمل، وبحكم تخصصي أحببت تنظيم الأمسيات الثقافية والأدبية، فتقدمت بطلب إلى إدارة الكلية آنذاك لتنظيم أمسية شعرية، فوافقت إدارة الكلية على الطلب حسب اللوائح والتعليمات، على الرغم من أنني كنت أعمل في كلية طالبات، وبدأتُ تنفيذ العمل حتى النهاية، فأقيمت أمسية شعرية على مسرح كلية البنين، وشارك فيها عدد من شعراء المنطقة (أبناء تهامة)، وممّا جعلني أشعر بنجاح شخصي ونجاح للكلية أنّ بعضًا من الحضور قالوا لي هامش الأمسية: "هذه المرة الأولى التي تُقام فيها فعاليات للجامعة في محايل عسير".

الدكتور والباحث الأردني زياد مقداديالدكتور والباحث الأردني زياد مقدادي

هذا الأمر جعلني أزداد إصرارًا لأجعل كلية البنات بمحايل عسير بوابةً نحو المجتمع المحلي من خلال تنظيم الأمسيات والفعاليات الثقافية المتعددة، وقد وُفِقْتُ بفضل الله أولاً ثم الدعم المستمر من إدارة الكلية التي تحرص دائمًا على دعم هذه المناشط، ولا أنسى مشاركة زملاء العمل في تنفيذ هذه النشاط، فكان لكلية البنات بمحايل عسير إطلالة مستمرة على المجتمع بندوات علمية ومعارض متخصصة للغة العربية، ومن ذلك تنظيم أيام علمية بكل سنة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية.

 هل تعتقد أن تجربتك تمثل تطورًا في العلاقات الثقافية والاجتماعية بين الأردن والسعودية؟

بكل تأكيد فإنّ الاطلاع على ثقافة مجتمع ما تعني اكتسابَ شيء ما من هذه الثقافة، وعلى المستوى الشخصي فإنّ مشاركتي في عشرات الندوات الثقافية والملتقيات العلمية قد تكون ألقت بأثر ولو بسيط على المتلقين، وعلى المستوى الشخصي فإنّ ثمة تجارب لعدد من مثقفي المملكة العربية السعودية أثّرت بي، حتى أفردتُ بعض الدراسات في إبداع عدد من أدباء المملكة العربية السعودية نُشر بعضها في مجلات علمية محكمة ومواقع إلكترونية وبعضها قيد النشر، وثمة كتاب بين يدي (سيرى النور قريبًا إن شاء الله) درستُ فيه شعر أحد شعراء تِهامة وقاربته مقاربة نقدية، اعترافًا بفضل المكان أولاً ثم إعجاب بأدب الشاعر.

وإذا أردت الحديث عن التأثر الاجتماعي فإنّه يطول، فبعض الزملاء حرصوا حرصًا شديدًا على التعرف على المنسف الأردني الذي يمثل هوية المطبخ الأردني، أما تأثري بالمجتمع فهو تأثير أصبح لا شعوريًا فيّ وفي أسرتي التي أقامت معي في المملكة العربية السعودية.

ما الذي تأمل أن يحققه القراء من قراءة كتابك؟ وما هي الرسالة التي تود أن توصلها إليهم؟

أرجو أن يجد قارئ الكتاب المتعة الأدبيةَ والفنيةَ أولاً، والإفادة من المعلومات المرتبطة بالمكان الجديد وأهله وعاداتهم وتقاليدهم، خاصة قراء الكتاب من خارج السعودية.

أما الرسالة فهي ذاتها التي ختمت بها كتابي: " لقد خرجتُ مِن عسير بَعدَ هذه السّنواتِ بحقيقَةٍ أنّ عليَ ألّا أنشغلَ إلا بما يُغذي النّفسَ بالتّفاؤلِ والإيجابيّةِ، وأنْ أُسْقِط مِن حساباتي ما يشحذُ السلبيّةَ، ويُعزّز حضورَها في النّفسِ".

كتاب أوراق في جبال عسيركتاب أوراق في جبال عسير

هل لديك خطط لزيارات مستقبلية إلى المملكة العربية السعودية أو مناطق أخرى؟

السعودية وطني الثاني الذي لا تمّحى من الذاكرة سيرته، وأكرم به من وطن! وكيف للمرء أن يجحد نعم وطنه، وألا يبره ويزوره بين حين وآخر، وأرجو الله أن يوفقني لذلك مِرارًا وتكرارًا.

 كيف ترى أن الأدب والكتابة يمكن أن تسهم في تعزيز فهم الثقافات المختلفة وتقريب المسافات بين الشعوب؟

للأدب تأثير فعّال ومدهش في ثقافة الشعوب، إذْ إنّه يحدثُ تأثير مباشرًا في عقلية المتلقي، وهو أداة ناجعة للتأثير في الآخر لما له من خصوصية فنيّة وجمالية، تفوق الوصف المباشر، ويمكن أن يصل هذا التأثير حدًا غير متوقَع، وعندما يرتبط الأمر بثقافة جديدة فإنّ التأثير يكون أكثر وضوحًا لا سيما إذا قُرئ بعناية واهتمام.

 هل تعتزم توجيه رسالة خاصة للقراء السعوديين الذين قد يكونون مهتمين بتجربتك وكتابك؟

أعلم أنّ نسبة القراءة في المملكة العربية السعودية مرتفعة مقارنة بالمجتمعات الأخرى، ومعارض الكتاب الدورية تشهد بذلك، وهذا يعني أنّ ثمة من سيقرؤون عملي وأرجو أن ينال إعجابهم.

اقرأ أيضًا: باحث أردني يصدر كتابًا عن المملكة السعودية مؤكدًا لـ"الجوهرة": عسير مدرسة الحياة التي علّمتني الصبر والمثابرة