نواة الحب والاستقرار في العلاقات الأسرية

إن المشاعر الأسرية لا تبنى عبر الواجبات أو المعاملات الرسمية، ولا تقتصر على تبادل كلمات المودة فحسب، بل يتشكّل جانب كبير منها من خلال إشارات غير لفظية، كتعابير الوجه، ونبرة الصوت، ونظرات العين، وهي وسائل أساسية للإشباع العاطفي والنفسي.

وإلى جانب ذلك، تسهم عوامل أخرى في تعميق هذا الترابط، مثل العادات الغذائية المشتركة، والدافع اللاشعوري لتقليد التعبيرات الوجدانية الصامتة التي ترتسم على ملامح أحد أفراد الأسرة فيدركها الجميع؛ إذ تولّد إيماءات الوجه أثناء الحديث أو الضحك أو الألم شعورًا مماثلًا لدى الآخرين.

وكثيرًا ما نلحظ تشابهًا واضحًا بين أفراد العائلة، ويعود ذلك إلى الأبوين اللذين اعتادا ترسيخ هذا الرابط الخفي، فيسهمان في تشكيل ملامح أسرتهما بما ينسجم مع نمط الحياة الذي اختاراه منذ ارتباطهما، وانطلاقًا من تشابه الرؤية بينهما، مما يعزز قوة العلاقة الوجدانية ويزيدها رسوخًا.

بناء جدار الصدق والثقة

إن إدراك الطرفين لأهمية بناء الثقة بينهما بوصفها أولوية، ثم مع بقية أفراد العائلة. يعني بالضرورة تشييد جدار من الصدق يتوزع أثره على الأسرة بأكملها. فمن الصدق تنبع علاقة المحبة وتدوم. وبه تلتئم شتات تفاصيل الحياة. ومن ثمراته احترام الآخرين وخصوصياتهم. إلى جانب احترام الذات، بما يحقق السكينة النفسية والتوازن العملي والإنتاجي.

وانطلاقًا من هذه المعاني الراقية، ومن هذا الصدق النابع من القلب، تتفتح العواطف. وهي عنصر جوهري في التواصل الأسري؛ إذ كثيرًا ما تتجاوز الخلافات وتخفف حدتها. فبالحب تستولد الحلول السليمة، وتتشابك القوانين مع البعد الإنساني العاطفي.

فالقانون في جوهره مزيج من العاطفة والمنطق، ولذلك تبقى لكل قاعدة مساحة مرنة يتعامل معها أهل الاختصاص بما يراعي الحالة الإنسانية. حفاظًا على التلاحم المجتمعي. وما أجمل أن يكون تعاملنا مشبعًا بالحب. بكل تجلياته المقروءة والمرئية والمسموعة والمحسوسة.

فالحب ليس مجرد فقرة عابرة في حياتنا، بل هو البحر الذي يحيط بنا ويحفظنا من آفات اجتماعية كثيرة. ويمنحنا نشوة وسعادة استثنائية تمحو هموم اليوم، لنحيا في فضاء من الصفاء والطمأنينة.

ومن هذا الحب الممزوج بعاطفة صادقة، تنبع مراعاة الأسرة لظروف أفرادها النفسية والجسدية. فلا يكَلَّف أحد بما يفوق قدرته أو يتجاوز قابليته على الاستجابة والتلبية. ولا يوضع في موضع المقارنة أو الموازنة مع الآخرين، لما قد تولّده هذه المقارنات من إحباط لدى الطرف الآخر. وإن حدثت دون قصد، فإن أثرها ينعكس سلبًا على العلاقة الأسرية.

وبالعاطفة والحب والثقة يمكننا تجاوز «الأنا» التي يحملها كثيرون؛ فحب الذات حين يأتي على حساب احتياجات الآخرين يفتك بكل علاقة إنسانية أينما وجد. وغالبًا ما تمتد آثاره داخل الأسرة من الزوجين إلى الأبناء. فينشأ المعنى ذاته بينهم وقد ترسّخ داخل جدران الأنا الأبوية.

دور الرعاية الاجتماعية والإرشاد الأسري

إن المعادلة الصعبة تكمن في محاولة تغيير النظرة الاجتماعية وجعلها من أولويات الزواج الناجح. وقد يسهم الإعلام والندوات واللقاءات في ترسيخ هذه الأولويات لدى المقبلين على الزواج. ضمن أطر الرعاية الاجتماعية والإرشاد الأسري والنفسي. غير أن الأثر الأعمق والأدوم يبدأ من بناء الطفولة. عبر وضع مناهج دراسية تعلي من قيمة البناء الذاتي للفرد في علاقته بالآخر. شريطة أن يتولى هذه المهمة مختصون ذوو كفاءة عالية.

الرابط المختصر :