شهدت العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في بنية المجتمع الإنساني، لم يقتصر هذا التحول على الاقتصاد والسياسة فحسب، بل ضرب في عمق الخلية الأولى للمجتمع، وهي الأسرة. سلطت ورقة بحثية حديثة للأكاديمي شابي عقبي بالمجلة المغاربية للدراسات التاريخية والاجتماعية، الضوء على رحلة الانتقال من “الأسرة الممتدة” التي كانت تشكل الحصن المنيع في المجتمعات التقليدية، إلى “الأسرة النووية” (الأب والأم والأطفال) التي أصبحت السمة الغالبة في عصر العولمة.
الأسرة الممتدة.. نظام التكافل الضائع
لطالما كانت الأسرة الممتدة (التي تضم الأجداد، والعمومة، والأبناء تحت سقف واحد أو في محيط جغرافي ضيق) هي النواة الأساسية التي تمنح الفرد شعورًا بالأمان المطلق. تميزت هذه البنية بقيم التضامن والتماسك. حيث كانت الرعاية مسؤولية جماعية، والتنشئة تتم عبر “مؤسسة فطرية” يتوارث فيها الأطفال القيم والخبرات مباشرة من كبار السن.

العولمة وإعادة صياغة الروابط
دخلت العولمة كقوة تفكيكية للأنماط القديمة، فارضةً قيم الفردانية والنزعة الاستهلاكية. أدت التغيرات الثقافية والاجتماعية إلى تقلص حجم الأسرة لتصبح “نووية”، تعتمد في وظائفها على مؤسسات بديلة (دور الحضانة، المدارس، والمؤسسات الاجتماعية) بدلًا من الأقارب. ورغم أن هذا التحول منح الأفراد استقلالية أكبر وقدرة على اتخاذ القرار بصفة شخصية. فإنه فتح الباب أمام تحديات قاسية، مثل ضعف الروابط العائلية، وتفشي العزلة الاجتماعية.
“خسارة الطفولة”.. ماذا فقدنا باختفاء العائلة الممتدة؟
عندما اختفى مفهوم العائلة الممتدة، لم تخسر الأسرة فقط “الأيدي العاملة” في المنزل. بل خسرنا الأطفال بالمعنى التربوي والنفسي العميق. تشير دراسات علم الاجتماع والتربية إلى أن غياب “الجد والجدة” والأقارب من المحيط المباشر للطفل أدى إلى فجوة عاطفية ومعرفية كبيرة:
- فقدان “الدرع العاطفي“: في الأسرة الممتدة، كان الطفل يجد دومًا حضنًا بديلًا في حال انشغال الوالدين. ما يقلل من نسب القلق والتوتر لديه. وبحسب تقارير نفسية موثقة، فإن الأطفال في الأسر النووية المنعزلة أكثر عرضة للشعور بـ الاغتراب النفسي.
- أزمة الهوية واللغة: (كما أشارت دراسات مماثلة حول انتقال اللغة عبر الأجيال). فإن غياب كبار السن أدى إلى ضعف نقل الموروث الثقافي واللغوي للأطفال. حيث أصبح التلفاز والأجهزة الذكية هما “المربي البديل”. ما ساهم في ظاهرة “الفقر اللغوي” وتشتت الهوية.
- تآكل الذكاء الاجتماعي: الأسرة الممتدة كانت “مجتمعًا صغيرًا” يتعلم فيه الطفل فنون التفاوض، الصبر، واحترام التراتبية الاجتماعية. اليوم. ينشأ طفل الأسرة النووية في بيئة محدودة التفاعل. ما يجعله أكثر ميلًا للانسحاب الاجتماعي بالإضافة إلى ذلك التركيز حول الذات (الفردانية المفرطة).

هل من سبيل للتوازن؟
تخلص الدراسة إلى أن العولمة، رغم توفيرها لفرص المساواة وتمكين الأفراد، فإنها جردت الأسرة من سياجها الدافئ. وتوصي بضرورة تبني إستراتيجيات اجتماعية تعيد “الاعتبار للقيم العائلية”. مع محاولة خلق أنماط تواصل حديثة تعوض المسافات الجغرافية التي فرضتها الهجرة كذلك العمل.
علاوة على ذلك، فإن الحفاظ على دور الأسرة كمؤسسة اجتماعية ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو ضرورة لحماية الأطفال من “الضياع” في عالم تزداد فيه الفردانية توحشًا. إننا بحاجة إلى “وسطية اجتماعية” تتبنى الحداثة دون أن تضحي بـ “الحكمة” التي كان يمنحها الأجداد للأحفاد.



















