في شمال غرب المملكة العربية السعودية، وعلى بعد نحو 225 كيلومتراً من مدينة تبوك، تقف مدائن شعيب، أو كما تعرف أيضاً بـ«مدين» و«مغاير شعيب»، شاهدةً على حضارة ضاربة في القدم تروي قصة الأنباط وقوم مدين الذين سكنوا هذه الأرض منذ آلاف السنين.
ووفقًا لـ”الشرق الأوسط” تقع هذه الواحة التاريخية في محافظة البدع غرب منطقة تبوك، وقد كانت مركزاً زراعياً مزدهراً منذ القرن الأول قبل الميلاد وحتى منتصف القرن السادس الميلادي. ويشير المؤرخون إلى أن سكانها الأوائل، وهم الأنباط، اضطروا إلى النزوح شمالاً نحو البحر المتوسط بعد تراجع النشاط الزراعي. أما الجغرافي اليوناني بطليموس فقد وصفها بـ«الواحة الخضراء» وأطلق عليها اسم «العيينة».
أسباب تسميتها بهذا الاسم
وبحسب ما ذكره موقع “saudipedia” تعددت الأسماء التي أطلقت على هذه المنطقة عبر العصور؛ إذ عرفت قديماً باسم مدين. وهي التسمية التي ارتبطت تاريخياً بـالنبي شعيب عليه السلام الذي بعث إلى قومه فيها. كما ورد ذكرهم في القرآن الكريم بـ«قوم شعيب» أو «أصحاب الأيكة».
وفي العصور الإسلامية اللاحقة، أطلق عليها اسم مدائن شعيب أو مغاير شعيب نسبةً إلى النبي الكريم. بينما تشير بعض المصادر إلى أن النبي موسى عليه السلام التقى بالنبي شعيب في هذه الأرض بعد خروجه من مصر، كما ورد في سورة القصص.
أما وصفها بـ«المدائن» فيعود إلى كثرة المساكن والكهوف المنحوتة في الجبال. والتي تعكس تخطيطاً عمرانياً متكاملاً يليق بمدينة مزدهرة عاش فيها الأنباط وقوم مدين.

الهندسة المعمارية والعمارة الصخرية
يصف المهتم بالآثار أحمد العطوي مدائن شعيب بأنها «تحفة معمارية نحتت في الجبال بدقة هندسية مدهشة»، إذ تتكون من كهوف وبيوت منحوتة تتوزع على سفوح الجبال بذكاءٍ هندسي يقيها من السيول والأمطار.
ويشير خبير الآثار عبد الله العمراني إلى أن مدائن شعيب لا تقل أهمية عن مدائن صالح في العلا، بل تعد توأمها التاريخي، غير أن صخورها أكثر هشاشة لكونها من الحجر الجيري مقارنة بصخور مدائن صالح الصلبة.
كما يؤكد الباحث وائل العيسى أن اختيار المرتفعات الصخرية لبناء المغاير كان لغرض الحماية من السيول القادمة من وادي عفال. وهو أحد أكبر الأودية في المنطقة. وتظهر على واجهات المدائن نقوش هندسية وزخارف دقيقة على شكل مثلثات وتيجان وأقواس متداخلة. تدل على براعة فنية ومعمارية استثنائية.
الآثار المكتشفة في مدائن شعيب
تعد مدائن شعيب من أهم المواقع الأثرية في شمال الجزيرة العربية. إذ تضم ما يقارب 80 قبراً موزعة على أكثر من 12 تكويناً صخرياً، وتقسم المدافن إلى أربع مجموعات متجاورة على شكل نصف دائرة.
تحتوي هذه التكوينات على غرف سكنية صغيرة بمقاس (2×3 م). وأضرحة أفقية على الجدران والأرضيات بطول سبع أقدام، بالإضافة إلى تجاويف ووحدات تخزين بعمق مترين تقريباً.
وقد كشفت التنقيبات عن نقوش نبطية ولحيانية وإسلامية. مما يدل على أن الموقع شهد تتابعاً حضارياً عبر قرون طويلة. ويعتقد أن هذه المدافن والبيوت كانت مأوى للأحياء ومقابر للأموات في الوقت نفسه.

أهمية الموقع ودوره التاريخي
عرفت مدين قبل نحو 3000 عام كمركز تجاري يربط جنوب الجزيرة العربية بمصر والشام، وكانت محطة رئيسية على طريق القوافل القديمة.
وقد وصفها المستكشف الإنجليزي هاري سانت جون فيلبي عام 1953 قائلاً:
«إن عظمة مدائن شعيب تكمن في صخورها الرملية المتآكلة التي قاومت عوامل الطبيعة لآلاف السنين، محافظةً على سحر الفن النبطي والهندسة القديمة».
أقرأ أيضًا مبادرة السعودية الخضراء.. مسيرة نحو مستقبل مستدام

















