في شمال شرق المملكة العربية السعودية، وعلى امتداد أكثر من 91,500 كيلومتر مربع، تمتد محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية كأحد أبرز المشروعات البيئية الرائدة في المملكة، وواحدة من أكبر المحميات على مستوى الشرق الأوسط. هذه المحمية، التي أنشئت بأمر ملكي في عام 2018، لم تكن مجرد مساحة طبيعية محمية، بل تحولت خلال سنوات قليلة إلى مختبر حي للتنوع البيولوجي، ومثال حي على التفاعل الذكي بين الإنسان والطبيعة.
من حداثة التأسيس إلى العالمية
بحسب المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية .رغم حداثة عهدها، استطاعت المحمية أن تضع بصمتها سريعًا على الخارطة العالمية للمحميات. ففي عام 2024، تم ترشيحها رسميًا للقائمة الخضراء للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN)، بعد اعتمادها ضمن قاعدة البيانات العالمية للمناطق المحمية (WDPA)، وذلك تتويجًا لجهودها المتواصلة في حماية النظم البيئية، ومكافحة التصحر، وتفعيل مبادئ الاستدامة البيئية.

تنوع مذهل في التضاريس
تتميز المحمية بتضاريسها المتنوعة بين جبال وهضاب وسهول وشعاب؛ ما منحها موائل بيئية مختلفة لاحتضان العديد من الأنواع النباتية والحيوانية النادرة، بما في ذلك الحيوانات المقيمة والمهاجرة. وأسهمت هذه الجغرافيا الفريدة في تحويل المحمية إلى وجهة مثالية للسياحة البيئية ولمراقبي الطيور وعشاق الحياة الفطرية.
نظام غذائي فريد وبيوض عملاقة
تعتمد النعامة في غذائها على النباتات بشكل أساسي، لكنها تتناول أيضًا بعض الزواحف والحشرات. إلى جانب كميات كبيرة من الرمل الذي يساعد في عملية الهضم داخل جهازها الهضمي القوي. وتزن بيضتها الواحدة ما بين 1 إلى 1.5 كيلوجرام. ويتناوب الذكر والأنثى على احتضان البيض لما يزيد عن خمسة أسابيع، في مشهد يعبر عن تفرد هذا الطائر في سلوكياته التناسلية.

جهود مكثفة لإعادة التوازن البيئي
أدركت هيئة تطوير المحمية التحديات التي تواجهها، لا سيما التغير المناخي والممارسات البشرية غير المستدامة كالرعي الجائر والاحتطاب والصيد، فوضعت استراتيجية شاملة لإعادة تأهيل الغطاء النباتي وتحقيق التوازن البيئي. وشملت هذه الاستراتيجية:
-
زراعة أكثر من 750,100 شتلة محلية.
-
تنفيذ برامج الاستزراع الطبيعي والتجدد البيئي.
-
إعادة توطين أنواع مهددة بالانقراض مثل المها العربي، وظباء الريم، والنعام أحمر الرقبة، والقط الرملي، والذئب العربي.
-
توثيق أكثر من 200 نوع نباتي، و184 نوعًا من الطيور، و15 نوعًا من الثدييات.
التكنولوجيا في خدمة البيئة
في سابقة على مستوى المنطقة، أطلقت هيئة تطوير المحمية أضخم مشروع للحماية والرصد البيئي باستخدام الطائرات دون طيار (درون)، حيث تم تشغيل 40 طائرة درون على مدار الساعة لمراقبة المحمية ومنع المخالفات؛ ما أدى إلى:
-
تقليص زمن تغطية المناطق الميدانية بنسبة كبيرة.
-
رفع كفاءة فرق العمل البيئي بنسبة %220.
-
تدريب أكثر من 100 مراقب وجوال بيئي.
-
تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء لتحليل البيانات ومراقبة مؤشرات التنوع البيئي.

أثر ملموس على البيئة والمناخ
خلال عامي 2023 و2024، شهدت المحمية انتعاشًا ملحوظًا في الغطاء النباتي، حيث ارتفعت مساحة التغطية من 6141 كم² إلى 7788 كم² وفقًا لمؤشر NDVI للاستشعار عن بعد. وانعكس هذا التحسن بشكل مباشر على:
-
جودة الهواء في مناطق وسط المملكة.
-
انخفاض حدة العواصف الترابية.
-
ارتفاع كثافة الحياة الفطرية وتزايد أعداد الأنواع المقيمة.
مساهمة وطنية في رؤية 2030 ومبادرة السعودية الخضراء
كما تمثل المحمية عنصرًا محوريًا في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتسهم في:
-
تغطية %14 من مساحة المحميات المعلنة في المملكة.
-
تقليل الانبعاثات الكربونية بما يعادل 228 ألف طن حتى عام 2030.
-
مكافحة تآكل التربة بما يقارب 10,000 طن.
-
الحد من العواصف الغبارية بحجم 14 ألف طن سنويًا.
ختامًا.. بيئة تنبض بالحياة
لقد أصبحت محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية رمزًا للنهج السعودي الحديث في التعامل مع البيئة: نهج يجمع بين العلوم الحديثة، والتقنيات المتقدمة، والحس الوطني العميق بأهمية الإرث الطبيعي. إنها ليست مجرد محمية، بل رؤية بيئية متكاملة، تعكس التزام المملكة تجاه كوكب الأرض، وتمهد الطريق لأجيال تتنفس هواءً أنقى، وتعيش وسط طبيعة أكثر توازنًا واستدامة.



















