اعتاد الأطفال أن يسمعوا من والديهم سأعلّمك، دعني أشرح لك، افعلها بهذه الطريقة. لكن ماذا لو انعكس المشهد قليلًا؟ ماذا لو جلسنا أمام الطفل هذه المرة، وأعطيناه الفرصة ليكون هو صاحب المعرفة؟
قد تبدو الفكرة بسيطة، لكنها تحمل أثرًا عميقًا. فعندما نطلب من الطفل أن يشرح لنا شيئًا يعرفه، فإننا لا نمنحه فرصة للحديث فحسب، بل نرسل إليه رسالة واضحة أنت تعرف أشياء مهمة، ولديك ما يستحق أن أتعلمه منك.
من مقعد المتلقي إلى دور المعلّم
يمكن أن تبدأ الحكاية من موقف يومي صغير. يعود الطفل من المدرسة، وبدل أن يسأله والداه فقط عمّا إذا أنهى واجباته، يمكنهما أن يطلبا منه أن يشرح لهما ما تعلمه، أو أن يريهما كيف حل مسألة أو أنجز تمرينًا.
وفي لحظة كهذه، يتغير موقع الطفل. لم يعد مجرد شخص ينتظر التعليمات، بل أصبح شخصًا يمتلك معرفة ويستطيع نقلها.هذا الشعور بالقدرة يمكن أن يمنحه دفعة مهمة نحو بناء الثقة بالنفس، خصوصًا عندما يلاحظ أن والديه يستمعان إليه باهتمام ويقدّران ما يعرفه.
ليس شرطًا أن يكون الدرس من الكتاب
التعليم لا يحدث دائمًا داخل الدفاتر.إذا كان الطفل يمارس كرة القدم، أو السباحة، أو الرسم، أو أي نشاط يحبه، يمكن أن يتحول ذلك إلى فرصة رائعة. اترك له المجال ليشرح الحركة التي تعلمها، أو الطريقة التي يستخدمها، أو القاعدة التي يعرفها جيدًا.المهم هنا ألا تكون الغاية اختبار الطفل، بل منحه لحظة يشعر فيها أن خبرته لها قيمة.
ومع المراهق.. افتح الباب لعالمه
كلما كبر الطفل، اتسعت المساحات التي يمكن أن يتبادل فيها المعرفة مع والديه.المراهق يعيش في عالم سريع التغير؛ يتابع منصات ومحتويات واتجاهات قد لا تكون مألوفة لوالديه. بدل أن تكون هذه الاختلافات مصدرًا للمسافة، يمكن تحويلها إلى باب للحوار.
يمكن للأهل أن يطلبوا من أبنائهم شرح شيء جديد بالنسبة إليهم، أو تعريفهم بما يثير اهتمام جيلهم. والاعتراف بأن الابن أو الابنة قد يعرف أكثر في مجال معين لا يقلل من مكانة الوالدين، بل يعلّم المراهق أن العلاقة الأسرية يمكن أن تقوم على التعلم المتبادل والاحترام.
عندما يصبح التفوق في شيء صغير مهمًا جدًا
هذه الفكرة قد تكون أكثر أهمية بالنسبة للأطفال الذين يواجهون صعوبات في التعلم.فالطفل الذي يسمع كثيرًا عن الأشياء التي يجد صعوبة في إنجازها قد يبدأ مع الوقت في اختزال صورته عن نفسه في تلك الصعوبات. وهنا يأتي دور الأهل في البحث عن الجانب الآخر من الصورة.
بدل التركيز فقط على ما لم يستطع فعله، يمكن سؤال الطفل عما نجح فيه، وما الشيء الذي شعر بالفخر لإنجازه، ثم الطلب منه أن يشرحه أو يعلّمه لوالديه.قد تكون مهارة بسيطة، لكنها بالنسبة إليه دليل على أنه ليس مجرد طفل يواجه صعوبات، بل طفل يملك قدرات أيضًا.
أهم قاعدة لا تسرق منه لحظة النجاح
حين يبدأ الطفل في الشرح، قد يجد الوالدان نفسيهما أمام رغبة تلقائية في التصحيح كلمة نطقها بشكل خاطئ، معلومة ناقصة، أو طريقة يعرفان أنها أكثر سهولة.لكن ليس كل موقف يحتاج إلى تصحيح فوري.
أحيانًا يكون أفضل ما يمكن أن يفعله الأب أو الأم هو الاستماع حتى النهاية. فالطفل لا يحتاج في تلك اللحظة إلى شخص يثبت له أنه يعرف أكثر، وإنما إلى شخص يمنحه المساحة ليكتشف أنه قادر على أن يعرف ويشرح ويقود.
كما أن الفضول يجب أن يكون حقيقيًا؛ فالأطفال يلاحظون سريعًا الحماس المصطنع. سؤال بسيط وصادق مثل «كيف فعلت ذلك؟» قد يكون أكثر تأثيرًا من عشرات عبارات المديح المبالغ فيها.
الأهل لا يفقدون دورهم بل يغيّرون طريقته
أن نترك الطفل يعلّمنا لا يعني أن تنقلب الأدوار بالكامل، ولا أن يتخلى الوالدان عن التوجيه. الهدف هو بناء علاقة أكثر توازنًا، يتعلم فيها الطفل تدريجيًا أن يجرب، ويشرح، ويقرر، ويعتمد على نفسه، مع معرفته بأن والديه موجودان لدعمه عندما يحتاج إليهما.
إنها مساحة صغيرة تمنح للطفل، لكنها قد تكبر داخله مع الوقت.فكل مرة نقول له فيها: «أرني كيف فعلت ذلك»، نحن لا نتعلم منه مهارة فحسب، بل نساعده على اكتشاف قيمة صوته وقدراته.
وربما تكون أجمل هدية يمكن أن نقدمها لأطفالنا هي أن يشعروا بأنهم حتى وهم ما زالوا يتعلمون منّا، يملكون أيضًا شيئًا يمكننا نحن أن نتعلمه منهم.

























