كيف أنقذت رواية «أحدب نوتردام» أشهر كاتدرائية في العالم؟

” فيكتور ماري هوغو ” كان أديبا وشاعرا وروائيا فرنسيا، يعتَبر من أبرز أدباء فرنسا في الحقبة الرومانسية، وترجمت أعماله إلى أغلب اللغات المنطوقة.
“أحدب نوتردام ” رواية رومنسية من تأليف فيكتور هوغو تتناول أحداث روايته التاريخية كاتدرائية نوتردام باريس “Notre-Dame de Paris” والتي تدور فيها الأجزاء الأكثر أهمية من الرواية.
وصف فيكتور هوغو بعد ظهور الرواية بـ “شكسبير الرواية”.ادخلنا غياهب عالم باريس في القرون الوسطى. وعرفنا على الحياة المشؤومة لكل من كوازيمودو، قارع أجراس كاتدرائية نوتردام القبيح؛ وكلود فرولو، رئيس الشمامسة المعذَب.
وإزميرالدا، الراقصة الغجرية الجميلة؛ وفيبس، القائد الوسيم الذي يخدع إزميرالدا بإيهامها بحبه لها. قصة تحبس الأنفاس أثناء قراءة هذه الرواية المثيرة المحزنة التي تدور أحداثها حول الخيانة والحب والأمل والفداء.
Story pin image
أحدب نوتردام رواية تاريخية من تأليف فيكتور هوغو، نشرت بالفرنسية تحت اسم “Notre-Dame de Paris in 1831”سلطت الرواية الضوء على كنيسة نوتردام التي تعرضت لحريق 15 أبريل/نيسان 2019، وكانت من أهم الأعمال الأدبية إن لم تكن أكثرها شهرة على الإطلاق التي جعلت الكاتدرائية مسرحًا لأحداثها، ما ربطها في أذهان كثيرين حول العالم حتى هؤلاء الذين لم يزوروا باريس.
حين نشرت رواية «أحدب نوتردام» عام 1831 كانت الكاتدرائية في حالة يرثى لها وبحاجة لعملية ترميمات هائلة. وحين حازت الرواية على شهرة عالمية تمكنت من تسليط الضوء على البناء الأثري بعدما كان الفرنسيون قد فقدوا الأمل في إعادته إلى ما كان عليه.
1555494543082-Annex-Laughton-Charles-Hunchback-of-Notre-Dame-The_NRFPT_01
لقطة من فيلم “أحدب نوتردام”

باريس في القرن الخامس عشر

تسير الرواية على نمط التقاليد التي أرستها رواية إيفانهو لوالتر سكوت وتقدم لوحة حية للحياة في باريس خلال القرن الـ15. وهي مدينة تعج بالاحتفالات النبيلة، والصخب الوضيع، وانتفاضات الغوغاء، والإعدامات العامة، وكل ذلك يحدث حول نوتردام.

يكرس هوغو فصلين لوصف الكنيسة القوطية، ليدخل القارئ إلى الروح الحقيقية لنوتردام. من الارتفاعات الهائلة لنظرتها الحجرية، ويقدم للقارئ رؤية شخصية عن باريس. ويسلط الضوء على كلمة anankhe «المصير» المحفورة على أحد الجدران والتي يعتبرها تعبّر عن الحقبة القوطية. والتي استمرت من القرن الثاني عشر وحتى السادس عشر.

قرر هوغو أن يجعل كاتدرائية نوتردام مسرح حكاية كوازيمودو القبيح. وهو شخصية خيالية تحمل من قبح المظهر ما يكفي لأن يجعله مكروهًا لكنها تحمل من الجمال الداخلي الكثير. ويخبر القارئ أن مصير كوازيمودو تحدد عندما تخلت عنه أمه عند الولادة على سلالم نوتردام.

This may contain: an old drawing of people standing in front of a building

 قانون هايز للإنتاج السينمائي 

تم اقتباس فيلم أحدب نوتردام، فيلم درامي أمريكي، الصادر عام 1939 من الرواية الكلاسيكية التي تحمل نفس الاسم. وقد تضمنت تشارلز لوتون في أحد أكثر أدواره شهرة.

جسّد لوتون شخصية بطل غير متوقع: الأحدب اللطيف، الذي أسيء فهمه، والمثير للشفقة كوازيمودو قارع أجراس كاتدرائية نوتردام في باريس. يلتقي بفتاة غجرية جميلة تدعى إزميرالدا (تؤدي دورها مورين أوهارا) ويقع في حبها.

مع ذلك، فإنّ فرولو (سيدريك هاردويك)، الذي يمثّل دور الأب بالتبني لكوازيمودو، والمكبوت جنسيًا، يصرّ على تدمير الفتاة. بعد أن تقع في حب الجندي فوبوس (آلان مارشال)، يقتله فرولو الذي يزداد اضطرابًا.

ثم يلفّق التهمة لإزميرالدا، فتحاكم وتحكم عليها بالإعدام. وبينما تقتاد إلى المشنقة، ينقذها كوازيمودو. ويجد الاثنان ملجأً في الكاتدرائية. لكن فرولو يصرّ على قتل إزميرالدا، وخلال عراك بينهما، يلقي به كوازيمودو من أعلى برج الجرس.

يختلف الفيلم المقتبس اختلافًا ملحوظًا عن الرواية، فمع أن فرولو رئيس شمامسة في رواية هوغو. إلا أن صناع الفيلم، خشية أن يتعارض تصوير رجال الدين بصورة سلبية مع قانون هايز للإنتاج السينمائي، جعلوه رئيسًا للقضاة.

إضافةً إلى ذلك، تتناقض النهاية السعيدة للفيلم تناقضًا صارخًا مع الرواية، حيث يموت كل من كوازيمودو وإزميرالدا. ورغم هذه التغييرات، حصد الفيلم العديد من الجوائز.

فقد أبقي زي لوتون الأسطوري ومكياجه، اللذان استغرقا ساعاتٍ طويلة يوميًا وكانا يسببان حرارةً وعدم راحة، سرًا حتى عرض الفيلم الأول. وقد صدم ظهوره الجمهور، وساهم في جعل أدائه من أبرز أدواره التي لا تنسى.

أعيد إنتاج الفيلم مرات عديدة، أبرزها عام 1956 من بطولة أنتوني كوين، وعام 1996 كفيلم رسوم متحركة من إنتاج ديزني. كما لاقت النسخة الصامتة من القصة عام 1923، من بطولة لون تشاني ، استحسانًا كبيرًا.

أبواب الحداثة التي أثارت الخوف

الكاتدرائية التي تقع في قلب العاصمة الفرنسية النابض بالتاريخ، تبلغ من العمر 850 عاماً، لقد تم الانتهاء من بنائها في منتصف القرن الثاني عشر بعد حوالي 200 عام من العمل.

تحتضن الكاتدرائية آثارًا وكنوزًا تراكمت على مدى القرون وهي بالنسبة للباريسيين كما لزوار باريس قلب المدينة. إنها كاتدرائية كاتدرائيات فرنسا، هنا الأعراس الملكية، هنا نصِّب نابليون بونابرت إمبراطورًا، فيها توِّج ملك انكلترا هنري السادس ملكاً على فرنسا العام 1431. هنا تزوّج ملك اسكتلندا جيمس الخامس مادلين الفرنسية العام 1537.

ارتفعت الكاتدرائية القديمة فوق المدن الأوروبية الرئيسية، مشهرةً قوة الله وكنيسته. في وقت كان يعتقد فيه أن الأرض مسطحة وتنتهي في هاوية عميقة تسكنها وحوش. وقت خاضت الخرافات معارك مع مفاهيم الإيمان. على أبواب الحداثة التي أثارت الخوف وبثّت الأمل في عالم عرف أنه يتغير.

This may contain: an old black and white photo of people in front of a church with horses drawn carriages

في زمن تلاشي العصور الوسطى وحلول عصر النهضة، فترة التحرر من الخرافات والعصبية. يوم ترددت أصداء الاكتشافات والاختراعات، وصنعت أول مطبعة عممت المعرفة على الجميع. في هذا العالم تقع رواية هوغو ووقع فيلم ويليام ديتيرلي.

القيمة الهندسية المعمارية القوطية

خلّد فيكتور هوغو كاتدرائية نوتردام عبر روايته “أحدب نوتردام” فمن منا لا يعرف قصة الأحدب كوازيمودو ذو الشكل الغريب والذي يعيش في الكاتدرائية، هو قارع أجراسها، والعاشق للغجرية إزميرالدا.

لكنّ رغم جاذبية القصة، إلّا أن هوغو لم يكتبها من أجل السرد فحسب بل كتبها من أجل إنقاذ الكاتدرائية. في أوائل القرن التاسع عشر تفتت المبنى الأثري من الداخل وكان على شفير الانهيار.

فشرع فيكتور هوغو بكتابة قصته مكرسًا فصلين لوصف المعلم المترهّل. حققت “أحدب نوتردام” نجاحًا كبيرًا، ففتح الأديب والشاعر الأعين على الكاتدرائية، على القيمة الهندسية المعمارية القوطية.

وتجلى خوف هوغو بشكل واضح من محو الخصوصية التاريخية المعمارية لباريس، يومها إهمالٌ طال عددًا من المباني بينما تدمّر جزءٌ آخر لاستبدالها بمبان جديدة أحدث. في نوتردام على سبيل المثال تم استبدال الألواح الزجاجية الملونة من العصور الوسطى بزجاج أبيض لتكبير بقعة الضوء في الكنيسة.

This may contain: an aerial view of the cathedral at night

التشنجات والتصدّعات خلال الانتقال الحضاري

لقد فشل كثرٌ عندما نقلوا هذه الرائعة إلى السينما، إنها ليست بالمهمّة السهلة لكنّ الألماني ويليام ديتيرلي فعلها بكثير من السحر. الفيلم عودةٌ رائعة للفترة الذي تكلم عنها هوغو، عكس فيها بدقة التشنجات والتصدّعات خلال الانتقال الحضاري من العصور الوسطى المتأخرة إلى التغيير والتقدم.
وعلى الرغم من اختلاف نهاية الفيلم عن النهاية المأساوية للقصة إلا أن المخرج كان مخلصًا بشكل كبير لهوغو، هو وطاقمه. إذ لا يمكن إغفال الأداء الرائع لتشالز لوتون في دور الأحدب.
أعادت ألسنة اللهب التي أكلت جزءً من “النوتردام دو باري” الكثير من الذكريات المتعلقة بالمكان. من زارها يعود إلى صوره، ومن لم يزرها نادمٌ، ومن قرأ ما كتب عنها، من شاهد فيلماً منها أو عنها يتأسّف على حالها. هذا الحريق سوف يسجل في تاريخ هذا المعلم العظيم كما سوف تسجل إعادة ترميمه التي لن تكون الأولى ومن يعلم، قد لا تكون الأخيرة.
الرابط المختصر :