احتضنت مكتبة الإسكندرية في الفترة من السابع إلى التاسع من سبتمبر عام 2025ﻡ، معرضًا بعنوان: “طلال.. تاريخ تقرؤه الأجيال”؛ حيث تناول المعرض في نسخته السادسة سيرة رائد العمل الخيري والتنموي الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود – رحمه الله– الذي كرس حياته لخدمة البشرية.
اشتمل المعرض الذي تنتهي فعالياته اليوم الثلاثاء، على 11 جناحًا لإبراز جانبين؛ هما:
– الجانب الزمني: تطرق إلى حياة الأمير طلال سعود منذ طفولته حتى وفاته، وما تخللها من محطات مهمة أثرت في المجتمع العربي والدولي.
– الجانب الموضوعي: تطرق إلى العلاقات المصرية السعودية ودور سموه في تقويه ودعم وتوطيد هذه العلاقات.
وجمع المعرض بين الشاشات التفاعلية والأقسام التعليمية بتقنيات المستقبل؛ حيث عُرِضت السيرة الذاتية للأمير طلال عبر شاشات تفاعلية تغطي النشأة والتعليم والعمل التنموي، بالإضافة إلى عرض بعض مقتنياته الشخصية.
استخدمت العروض المرئية أيضًا لعرض الوثائق الرسمية والصور الفوتوغرافية في المناسبات العائلية والمحلية والدولية؛ حيث يدمج المعرض بين المحتوى المعرفي والتقنيات الحديثة لتقديم تجربة تعليمية ملهمة للزوار.
ولد صاحب السمو الملكي الأمير الراحل بمدينة الطائف بتاريخ 25 يوليو عام 1930؛ حيث نشأ وتعلم في الرياض بقصر والده الملك عبد العزيز بالمربع.
دعم المثقفين العرب
كما دعم الأمير طلال بن عبد العزيز، المثقفين بالعالم العربي، وآمن بدور الفكر في بناء المجتمعات، وقدم دعمًا متواصلًا لتعزيز الثقافة في العالم العربي، وفتح أبوابه أمام الكتاب والمفكرين ومن بينهم “فيلسوف الفريكة” أمين الريحاني؛ الكاتب والمفكر والمؤرخ اللبناني، الذي اهتم بوحدة العرب ومناهضة الطائفية. وقام برحلة مميزة إلى شبه الجزيرة العربية عام 1922ﻡ، نتج عنها تأليف 6 كتب مهمة بين عامي 1924 ﻡ و1932ﻡ.
واهتم سموه بإحياء تراث أمين الريحاني، فأعاد نشر بعض كتبه عن العرب، كما كتب أيضًا مقدمة كتاب “تاريخ نجد وسيرة عبد العزيز آل سعود” في الطبعة الخامسة عام 1981ﻡ، ذاكرًا “أمين الريحاني بشخصيته الفريدة وإسهاماته المتنوعة في الأدب والفكر والسياسة والثقافة كجسر بين الشرق والغرب”.
القضايا التنموية
كان الأمير “طلال” من أوائل من التفتوا إلى دعم القضايا التنموية؛ فأرسل الشباب السعودي في بعثات تعليمية على نفقته الخاصة، وأسس أول مدرسة أهلية لتعليم الفتيات في الرياض، وأول مدرسة للتدريب المهني، وأول مستشفى غير حكومي في الرياض، ثم أهدى هذه المستشفى للدولة.
تأسيس “أجفند”
وكانت المحطة الأبرز في حياته، تأسيس برنامج الخليج العربي للتنمية “أجفند” عام 1980ﻡ، والذي أنبثق منه العديد من المؤسسات التنموية؛ مثل المجلس العربي للطفولة والتنمية، والشبكة العربية للمنظمات الأهلية، ومركز المرأة العربية للتدريب والبحوث، والجامعة العربية المفتوحة، وبنوك الشمول المالي.
تقلده مناصب عديدة
تقلد الراحل العديد من المناصب داخل المملكة العربية السعودية، مثل: وزير المواصلات عام 1953ﻡ، وسفير السعودية لدى فرنسا عام 1955ﻡ، ووزير المالية والاقتصاد الوطني نائب رئيس المجلس الأعلى للتخطيط، ونائب رئيس المجلس الأعلى للأماكن المقدسة عام 1960ﻡ.
وتقلد سموه العديد من المناصب أيضًا خارج المملكة؛ مثل المبعوث الخاص لليونسيف عام 1980ﻡ، والمبعوث الخاص لليونسكو. فيما يتعلق بالمياه العذبة عام 2002.
وتم اختياره رئيسًا فخريًا للعديد من المؤسسات مثل الجمعية السعودية للتربية والتأهيل (متلازمة داون) بالرياض، والجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع، ورئيس الأعضاء الشريفين بالخبر، ومركز خدمات تأهيل المعاقين بصريًا (إبصار) بجدة، ووحدة منظمة التجارة العالمية بمركز التميز في الإدارة بكلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت، ومؤسسة أمين الريحاني بالولايات المتحدة الأمريكية، ومؤسسة مينتور العربية.
وقد تم إطلاق جائزة باسم “جائزة الأمير طلال” لكل من يسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بشتى أنحاء العالم.
دعم مشروع الأمير سلمان للإسكان الخيري
كان سموه يؤمن بأن كرامة الإنسان تبدأ من بيت آمن وسقف يظله؛ فجعل من الإسكان ركيزة أساسية في رؤيته للتنمية، ساعيًا لأن يحظى كل إنسان بمأوى يحميه ويصون إنسانيته. لتبقى جهوده شاهدًا على أن المسكن هو بداية الحياة الكريمة. ولهذا تبرع بمليون ريال دعمًا لمشروع الأمير سلمان للإسكان الخيري.
للأمير الراحل أقوال مأثورة تنم عن عقله المستنير الواعي للتحديات التي لا تحدق فقط بالمجتمع العربي، بل بالبشرية جمعاء، مثل:
– “الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان”.
– “يجب الاهتمام بالطفل العربي؛ لكونه مستقبل الأمة العربية”.
– “الفقراء هم أكثر المتأثرين بالاختلالات التنموية الناشئة عن الأزمة الاقتصادية العالمية”.
– “المرأة العربية لا تقل قدرات ولا إبداعًا عن مثيلتها في المجتمعات الغربية، فقط تحتاج أن تُعطى الفرصة ويُفسح لها المجال”.
– “التنمية الحقيقية معنية أكثر بتعزيز إرادة التغيير المستمر في الفرد”.
– “كرامة الإنسان مرتبطة بحقوقه؛ فإذا لم تقترن الكرامة بالحقوق، باتت المواطنة منقوصة”.
– “لا يوجد نهضة يمكن أن تحدث في دول العالم الثالث، إلا بدعم من المجتمع المدني”.
علاقة الأمير طلال بمصر
بدأت علاقة الأمير “طلال” بمصر عام 1943م، وهو في الثالثة عشرة من عمره، عندما أصيب بوكعة صحية؛ فنصحه الأطباء بالذهاب إلى مدينة الإسكندرية بمصر؛ لتلقي العلاج؛ فقضى فيها سنة كاملة.
وكانت زيارته الثانية برفقة والده الملك الراحل عبد العزيز عام 1946ﻡ، بدعوة من الملك فاروق؛ حيث تقلد وشاح النيل مع بقية أشقائه.
اختار الأمير “طلال” مصر لتكون محطته الأخيرة للعبور إلى السعودية، بعد رحلة دولية عام 1952ﻡ. وعندما كان سموه وزيرًا للمالية، كانت الزيارة الرابعة الرسمية لمصر، والتقى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1961ﻡ.
وبعد ذلك، تعددت رحلاته إلى مصر التي كان يقول عنها:”لم أجد في بلاد العالم بلدًا أحب إلى قلبي من مصر”.
رحل الأمير طلال بن عبد العزيز في 22 ديسمبر 2018ﻡ، بعد حياة حافلة بالإنجازات التي خدمت الإنسانية؛ فبقى أثره ممتدًا، ليتواصل إطلاق المؤسسات التي تحمل اسمه؛ كتأسيس أوقاف الأمير طلال بن عبد العزيز في عام 2021ﻡ، ثم مؤسسة الأمير طلال الخيرية في عام 2022ﻡ.
د. جلال رفاعي
الخبير الأثري في علم المتاحف والتراث الإنساني
نائب مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية


















