شهدت أسعار الفضة قفزة حادة ومفاجئة، أعادت الزخم إلى المتداولين الذين استفادوا من موجة الصعود خلال العام الماضي قبل انفجار الفقاعة في أواخر يناير الماضي. ومنذ ذلك الحين، سجّل المعدن النفيس تعافيًا قويًا، حيث ارتفع بنحو 15% خلال الأسبوع الأخير، ليصل إجمالي مكاسبه منذ بداية العام إلى قرابة 20%، رغم بقائه متداولًا عند مستويات تفوق 150% مقارنة بالعام الماضي.
وقد لامس زوج الفضة/الدولار أعلى مستوى له في شهرين، مقتربًا من 88 دولارًا في وقت سابق اليوم، مواصلًا مكاسب جلسة الاثنين التي بلغت 7%، قبل أن يتراجع جزئيًا تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط، الذي انعكس على صعود عوائد السندات والدولار.
ورغم هذا التراجع المحدود، أحدثت الحركة الأخيرة تحولًا في الاتجاه الفني قصير المدى. إذ ساهم اختراق منطقة المقاومة بين 82 و83 دولارًا في جذب موجات شراء جديدة. من صناديق التحوط والمستثمرين المعتمدين على الزخم.
تراجع نسبة الذهب إلى الفضة ودعوة مودي
يعكس هذا التحرك أيضًا تفوق الفضة من حيث حساسيتها العالية مقارنة بالذهب، إذ يميل الذهب عادةً إلى قدر أكبر من الاستقرار. وقد تأثرت جاذبيته مؤخرًا بدعوة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي المواطنين إلى التوقف عن شراء الذهب لمدة عام، في إطار مساعٍ لتخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي والروبية التي تواجه ضعفًا أمام الدولار.
وأدى هذا التطور إلى تراجع نسبة الذهب إلى الفضة بشكل حاد إلى نحو 55، وهو أدنى مستوى لها منذ أوائل مارس، ما يبرز الأداء المتفوق للفضة في الفترة الأخيرة. في المقابل، لا يزال الذهب يتحرك ضمن نطاق عرضي، مع وجود دعم عند مستوى 4,500 دولار، ومقاومة عند المتوسط المتحرك لـ50 يومًا بالقرب من 4,757 دولار.
الدعم القادم من القطاع الصناعي
بعيدًا عن العوامل الفنية، تتلقى الفضة دعمًا قويًا من التعافي في قطاع المعادن الصناعية، حيث سجلت عقود النحاس مستويات قياسية في كل من نيويورك ولندن، مدفوعة بارتفاع الطلب الصيني وتراجع المخزونات العالمية.
وباعتبارها أحد المعادن المحورية في مسار “التحول الطاقي” — خاصة بعد إدراجها ضمن قائمة المعادن الحرجة في الولايات المتحدة — تستفيد الفضة من المحركات الهيكلية ذاتها التي تدعم النحاس، لاسيما في قطاعات الكهرباء والطاقة المتجددة والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي وصناعة السيارات.
كما ساهمت الاضطرابات المستمرة في مضيق هرمز في زيادة مستويات عدم اليقين في الأسواق. ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، وتعزيز المخاوف المرتبطة بندرة الموارد والضغوط التضخمية.
توقعات العجز في الإمدادات
من الناحية الأساسية، لا تزال الفضة تحظى بدعم قوي في ظل التوقعات باستمرار العجز السنوي في المعروض. في وقت يشهد فيه الطلب الفعلي والاستثماري قوة ملحوظة، خاصة في الصين.
يشار إلى أن استجابة إمدادات مناجم الفضة لارتفاع الأسعار تتسم بالبطء، نظرًا لأن الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي يأتي كمنتج ثانوي لعمليات تعدين الرصاص والزنك والنحاس والذهب.
بعد هذا الارتفاع القوي، تتجه أنظار الأسواق نحو مدى قدرة هذا الاختراق على الاستمرار، حيث إن الحفاظ على التداول فوق مستويات 82–83 دولارًا قد يدعم مزيدًا من عمليات الشراء المؤسسي.
وقد استعادت الفضة سرديتها التي فقدتها في بداية العام، لتعود كأصل مدعوم ليس فقط بالطلب على المعادن الثمينة وأدوات التحوط الجيوسياسي، بل أيضًا بزيادة الطلب الصناعي الهيكلي، في ظل استمرار محدودية نمو المعروض العالمي.
وفي هذا السياق، يترقب المتعاملون صدور تقرير تضخم أسعار المستهلك في الولايات المتحدة لشهر أبريل، والذي قد يسهم في رسم اتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة.


















