تتركز زراعة الفل في السعودية بمنطقة جازان في الجنوب الغربي للمملكة التي تعرف بـ“جازان الفل”. حيث تشتهر بأشجار أزهار الفل “القريشي” دائمة الخضرة وذات الرائحة الزكية العطرة.
وهناك تقديرات بوجود أكثر من 950 مزرعة منتجة لهذه النبتة العطرية التي تعد جزءًا من الموروث الشعبي. وحضوره في المواسم والأعراس قيمة كبيرة إذ يعد عنوانًا للفرح ومصدر أنس وسرور. ويصفه سكان المنطقة بزهرة البهجة والفرح. كما أن الفل هدية جازان لبقية مناطق المملكة في الوقت الحاضر.
إن بنت الفل، الغصن الذي يقص بلطف من الرديمة (اسم شجرة الفل)، تأتي مع هدايا النساء للعروس في ليلة زفافها. إنها هدية أساسية من هدايا البيت الجديد، وهذا ما يبرر وجودها الأصيل في كل بيت من بيوت أهل جازان؛ إذ ترعى المرأة شجرتها، وتهتم بها كما تهتم بزوجها وأبنائها، مرتبطًا بطريقة زراعتها، وموقعها من فناء البيت، ثم أسلوب التعامل معها في مراحل نموها.
المردود الاقتصادي
تشرف منظمة الأغذية والزراعة ” الفاو” التابعة لمنظمة الأمم المتحدة على إدارة 6 مزارع في منطقة جازان؛ بهدف تطوير زراعة الفل. ومضاعفة الانتاج منه وتحسين جودته ورفع خبرة المزارعين في إنتاجه والتعامل معه. كما تأسست بالمنطقة جمعية الفل والنباتات العطرية النشطة في تنظيم “مهرجات الفل”.

إن الفل من الأشجار المعمرة، وذات مردود اقتصادي مهم إذ يصل حجم الإنتاج منه إلى 60 كلغ في اليوم. وتحولت زراعته من طابع الزينة في شرفات المنازل إلى الأراضي بهدف الاستثمار والاستفادة منه.
وشهدت بمنطقة جازان قصص نجاح مزارعات من نساء المنطقة استطعن زراعة مساحات واسعة من أشجار الفل وورثن الخدمة من الآباء. وتمكّن من استخراج العطور من الفل، ونسج أشكال عنقودية بديعة منه تقبل عليها النساء والفتيات.
خصائص الفل وتجسيده في الفن
الفل هو نوع من الياسمين موطنه جنوب شرق آسيا نبات عشبي معمر شجيري النمو يصل لارتفاع مترين، الموطن الأصلي له الهند. أزهاره بيضاء شمعية القوام تميل إلى اللون الكريمي أو المصفر ذات رائحة عطرية قوية جدًا عندما تتفتح تمامًا بعد اكتمال نموها. حيث تتحول إلى اللون البني المائل إلى البنفسجي ثم إلى اللون الأسود إذا ما لمست باليد أو بالماء. الأوراق بسيطة بيضاء لامعة كاملة الحواف وإن كانت الحواف مموجة ويزرع لجمال شكله ولرائحته الذكية، وتستخدم الأزهار أيضًا في صناعة العطور ولصنع الشاي.
وجسدت الفنانة التشكيلية “صالحة محمد” من خلال مشاركتها بلوحتها الجميلة والعمل المميز والتي لقيت انتشارًا واسعًا، وأشاد بالعمل كبار الفنانين التشكيلين بمنطقة جازان.
هذه الفتاة التي عبرت عن العروسة الجيزانية التي تنفرد بلبسها وأناقتها وتسريحتها وارتدائها وعصابة الفل ونقش الكفوف بالحناء. لتعانق علم وطنها الموشح بكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله للتعبير عن حبها لوطنها.

أما الفنان السعودي “عبدالوهاب عطيف” يستحضر الفلكلور الشعبي والطبيعة السهلية لمنطقته جازان عبر رسوماته. حملت الكثير من الحنين والتراث الذي لا يزال عالقًا في ذاكرته لمشاهدته لسيدات ينسجن قلادات وأكاليل من الفل. بانتظار عودة رجالهن من العمل لينسينهم تعب اليوم.

أبيات شعرية تتغنى بعبق الفل
ويأتي في شعر الشاعر السعودي “محمد حبيبي” في وصفه لزهرة الفل
الفل هذا
الفِلُّ
كيف أشي بهِ
من دون تحريكٍ لغيرةِ
وردةٍ أنثىْ تحطّ جواره؛
الفِلُّ أسطوريُّ هذي الأرض؛
تحرقنا وتحرق كلَّ شيءٍ سُمْرةً،
وتظل لابن الشمس
سحنتُه البياضُ
رديفُ حباتِ البردْ..
الفِلُّ عرشُ “ردائمِ”
الطينِ الأثيرة…
والسماءُ للحظة
بنجومها هبطت سلاما
فوق سجْفٍ في الفِناء…
الفِلُّ من إضمامة البتلات
يعرف كيف يغمس
في الأماني نفسه
للقاء ليلٍ فاتنٍ
من همهماتِ المدلجينَ وشهْق
مَنْ خبّأنه بين الظفائر
حيث لا سيقانَ ترفعه غرورا
فوق ڤازات الزجاج؛
وليس من شوكٍ يدمّي إصبعًا قطفتْهُ…
رقّتهُ أشفُّ من الهواء؛
من الخدود،
من الأنامل نظّمتْ سبْحاتهِ
الفِلُّ ليس بوردة
تُهدى للحظة عابر،
تمضي بلا أثر؛
ففي كل الزوايا آيه
فوق الشراشف بالوسائد
في الجيوب..
وكلما يشتد قيض الصيفِ
وابتلّتْ خفافُ ثيابنا؛
لُذْنا بسُكرته
نعبُّ ماء جِرارنا المنقوع فيها الفلّ
ما من وردةٍ
ظاهتْه هذا الفل

مزارع الفل في محافظة “ضمد”
وتحرص مزارع الفل الريفية في محافظة ” ضمد” على أن تستقبل زوّارها بإعداد وتنسيق أجمل باقات الفل والنباتات العطرية. وتقديم أطيب الفواكه الاستوائية وألذ الأطباق والعصائر العالمية بالنكهة الجيزانية لتظل محافظة “ضمد” في الذاكرة الجماعية عنوانًا للكرم ومثالًا للحفاوة.
ولتبقى معايشة الحياة الريفية في منطقة جازان والتمتع بتفاصيل العودة إلى الطبيعة والتمتع بجمال مزارع الفل تجربة فريدة. الفل في يوميات أهل منطقة جازان مرادف للسعادة الدائمة في مناسباتهم وأشعارهم. تتزين به شرفات منازلهم وأفنية بيوتهم منذ مئات السنين.

















