خاطب الله سبحانه وتعالى العقل البشري في أكثر من آية لإدراك طبيعة الخلق ومعرفة حقيقة الكون وكشف أسرار الكائنات. جاء في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تحث العقل على تدبر الكون ومعرفة قدرة الخالق لهذا الكون. تمامًا كما كان يتدبر سيد الخلق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في غار حراء عن خالق الإنسان والجبال والوديان.
ويكون تمام الايمان والاقتناع بوجود الله تعالى عن طريق العقل. وهناك من الكتاب الغربيين من يؤكد أن الدماغ البشري مصمم أصلا لمعرفة الله تعالى. وأن الجهاز العصبي للإنسان ينطوي على سبعة ردود فعل بيولوجية تقابلها سبع مستويات من الإحساس بوجود الله عز وجل. وأن هذه المستويات السبعةمن الإحساس تنبثق من حاجة الدماغ لفهم الكون والعثور على معنى له. والله يتجلى في الفطرة التي أوجدها في الإنسان لكي يسعى غريزيا لمعرفة نفسه وإدراك ما حوله.
ويعد أعلى درجات الإنجاز أن يكون الإنسان ملهمًا من الله تعالى. وبما أن الإنسان يعيش حياته ويمارس نشاطه بدافع من احتياجاته فإنه عندما يلجأ خشية وتضرعا إلى الله لكي يشعر مثلا بالأمان. تكون الحاجة هنا هي القوة المحركة.
ولذلك فإنه بموجب هذا المعيار تصبح معظم حياته الروحية مجرد تفكير رغائبي. وهنا يكمن الفرق بين الإلهام الذي هو بركة من الله تعالى يؤتيها لمن يشاء من عباده. وبين الأمنيات أو التفكير أسير الرغبات، فالإلهام لا يأتي بدافع الحاجة أبدا. أما الأمنيات والرغبات فتنبثق بدافع من طبيعة الحاجات العديدة.
يقضي معظم الناس أوقاتهم في العثور على ما يلبون به احتياجاتهم. ويسخرون جهودهم نحو سبيل إشباع تلك الحاجات سواء المادية أو النفسية والروحية. والطبيعة البشرية تنقاد وراء ما يعيق طريقها من عقبات قد تكون سهلة المنال أو كبيرة فتصيب النفس بالإحباط. ويضطر الإنسان لتكريس قدرًا ضخمًا من العمل والجهد البدني أو العقلي لتوفير ما قد أضيف إلى معيشته من المتطلبات الأساسية للحياة التي تبدو مكدسة بعضها فوق بعض مكونة بنيانًا هرميًا.
وعندما يصل الإنسان إلى إشباع قمة هرم احتياجاته تسنح له الفرصة للإحساس بتحقيق ذاته . إذن بموجب هذا المعيار فإن إشباع الحاجة الروحية للإنسان مثل حاجته لاحترام الذات تتطلب إنجاز شيء لا يستطيع الحب بلوغه ولا الأمن تحقيقه ولا الثروة إنجازه. وهنا تبرز ماهية الإلهام الإلهي ودوره وتأثيره لأننا عندما نلهم لا نتصرف بدافع الاحتياجات الأساسية للحياة المادية. الإلهام عمل يتم مباركته من الله تعالى وبهدايته.
يبدأ إدراك الحقيقة الإلهية من الاحساس العميق بالبركة الإلهية الذي يتجاوز لحظة الإلهام. لذلك فليس الإنسان في حاجة عندما يحقق إنجازًا ماديًا كبيرًا لأن تكون مشاعره الروحية سامية وناضجة حتى يشعر بنشوة الانتصار في الحياة. إنما هو التطور الروحي الذي يمكن أن يتجلى عندما يصيب الأشياء قبس من البركة الإلهية ولو كانت صغيرة.
إذا كان الخير هو أعلى وأسمى درجات الوعي فإن في الواقع لا أحد يصل مرتبة الوعي أو الإدراك الإلهي ثم يعتقد أنه قادر على تحقيق كل أمنياته دون أن يواجه أحيانا بعض السلبيات مثل الإخفاق والفشل الذي قد يدفعه إلى التأخر والتراجع والاستسلام للأحاسيس الإنسحابية أو أن يخضع للمشاعر الانهزامية.
وقد يعاني من أشياء سيئة تحدث له أو تصيبه كالآلام والأمراض التي يمكن أن تثير في النفوس هواجس الخوف من أن تكون هذه هي النهاية. وهناك الكثيرون ممن تمكنوا من تحقيق نجاحات كبيرة ثم وجدوا أنفسهم بالرغم من ذلك غير قادرين على السيطرة على تصرفاتهم. وهؤلاء غالبا يفقدون مركز وعيهم ويتوقفوا عن الاعتماد على الثقة الداخلية المطلوبة في كل مستويات الوعي. وقد تراهم يتذرعون بالضغوط الخارجية للتملص من المسؤولية.
ومثل هذه النكسات التي تحدث للإنسان الواعي والمدرك ستبقى مؤقتة. وهي ناجمة عن إغفال حقيقة أن الوعي والإدراك هو في حد ذاته عملية تعلم مستمرة ومهارة استيعاب مستمر مكتسبة، وفهم عميق ومتواصل. وبين عيون تحلم وقلوب تتمنى يتحرك في النفوس دائما الأمل.
لذلك عندما لا تسير الأمور على ما يرام وتبرز مشكلة ما فليس معنى هذا الحكم بالفشل بل إن عملية الاتقان التام التي يحتاجها الإنسان في مرحلة معينة كان فيها قيد الاختبار لم تكتمل .
تؤسس رحلة التطور الدائم في الفكر الاجتماعي النواحي الأخلاقية في العمل. لذلك فأن ينخفض مستوى الوعي لدى الفرد إلى حد إنكاره اعتبار ارتباط النجاح في تحويل الأحلام إلى حقائق إنما يعود إلى حالة وعيه. إذ سيجهل حقيقة أنه هو الذي كان بمقدوره أن يرشد نفسه بنفسه لو أنه استسلم لتلقي قبس الهداية الذي منحه له الله تعالى. إنه الإلهام المحطة المتقدمة من الوعي، وبسبب ذلك لن يستوعب معنى هذا الجانب ولن يدرك الحقيقة الإلهية.
عندما يريد الفنان مثلًا أن يرسم لوحة من خياله فإنه يبدأ بداهة بإحضار ألوان الطلاء وورقة، ثم يستحضر في خياله صورة غير مكتملة معالمها. وقد تبدو باهتة ولكن يتبلور شكلها تدريجيا كلما حملت اللوحة شيئا من إحساسه حينما يغيب عن من حوله. وتراه مدهوشًا مستسلمًا لصدق وحيه وإلهامه لتجسيد الصورة التي ارتسمت في خياله.
نقل الفنان الصورة من مخيلته إلى واقع مادي متجسد على الورق. وبهذا يصبح الفنان المبتكر والابتكار والعملية الابتكارية مدمجة معًا. ولكن ليس كل من رسم لوحة مبدعًا، وليس كل لوحة مرسومة إبداعًا. ولا يستطيع الإنسان أن يبدع حقا إلا إذا تجنب الادعاء بأنه هو المبدع. بل أنه كان مؤمنًا بالله وتلقى الإلهام منه. أما إذا زينت له الأنانية الذاتية أنه هو المبتكر واستولى عليه الغرور بذاته فلن يعرف سر وقيمة الإلهام ثانية.
يستغرق الصراع ضد الغرور وقتا طويلا ولكنه ينتهي فقط عندما يتمسك الإنسان بالإيمان بالله. وبعبارة أخرى إذا أراد أن يبدع حقا فعليه أن يترك ذلك لله تعالى الذي بيده كل شيء وهو العلي القدير الذي يلهم الإنسان. وهذا هو الدرس الكبير الذي يجب أن تتعلمه الذات الأنانية. إذا أرادت أن تمتلك القدرة على فعل شيء وهو أن تسلم الأمر كله للعلي القدير.
إن المعضلة في مسألة الوعي بالحقيقة المطلقة أنها تكون غالبًا مرتبطة بالغواية الكبرى المتمثلة في إغراء الإنسان بالبقاء منغلقًا على الذات. عندما تصبح الرغبة فعالة إلى حدها الأقصى لن يكون الإنسان مضطرًا لخوض صراع خارج نفسه. ويصبح بلوغ الرغبة متروكًا لله عز وجل وتتحقق تلقائيًا.
والفرق بين الإنسان في مرحلة الوعي بالحقيقة الإلهية وبين من لم يبلغ بعد هذه المرحلة. أن الأول تتحقق رغبته داخل عقله أثناء ممارسته ذات النشاط. مثله كمثل الآخر الذي يحاول تحقيقها داخل عقله، وعندما تصبح هذه الفكرة حية في الذهن تصبح الأعمال مرضية من الأعماق.
أي لن يسيطر على المرء الشعور بالهوس خوفا من الفشل ولن يعد يعاني من القلق المتعلق بمستوى الأداء. والأكثر أهمية من ذلك هي النتيجة الإيجابية النهائية التي تجعل الإنسان يشعر بالسعادة بعد تحقيق ذاته.


















