ليس المتحف مجرد موقع لعرض القطع الأثرية، بل هو مركز ثقافي وتعليمي يعزز فهم الزوار لتاريخ المنطقة التي تحويه من جوانبها الطبيعية. والإنسانية، والثقافية، والدينية. حيث يتميز أسلوب العرض المتحفي عمومًا بتنسيق زمني مدروس، يتيح للزائر الانتقال بسلاسة ويسر عبر العصور المختلفة التي توالت على هذه المنطقة وتركت إرثًا إنسانيًا جديرًا بالحفاظ عليه. لتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة. كما يسلط الضوء على أبرز الأحداث والإنجازات التي شكلت حضارتها.
معالم تاريخية وتراثية
تميزت الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية باحتوائها على عدد كبير مِن المعالم التاريخية والتراثية والمتاحف. التي تمثل الحضارات التي مرت عليها وتركت آثارها بها. ولعل أبرزها المتحف الوطني السعودي، الذي يجمع بين الأصالة السعودية وحداثة العمارة. ويتسم بجمال التصميمات الداخلية والخارجية؛ إذ يروي الحكاية التاريخية والحضارية والثقافية للجزيرة العربية ومراحل التطور والنمو التي مرت بها المملكة. ما يجعله مِن الأماكن السياحية المهمة في الرياض.
4413 قطعة أثرية
يحوي المتحف الوطني السعودي، نحو 4413 قطعة أثرية وتاريخية تمتد لآلاف السنين، مع قرابة 221 خزانة للعرض، تحوي مجسمات وهياكل حيوانية، ومقتنيات بشرية، ونقوشًا صخرية أثرية، كما يبلغ عدد القطع المعروضة 3700 قطعة أثرية، وعدد الوسائل التصويرية 900 وسيلة، و45 إجمالي عدد الأفلام والمؤثرات الصوتية. بالإضافة إلى 45 مجسمًا.
ويتميز المتحف بأن منهج معالجته وتفسيره للتاريخ البشري مستمد من الحقائق الثابتة التي يقدمها الإسلام عن أصل خلق الإنسان واستخلافه لعمارة الأرض. كما يهتم بإبراز ما يميز كل منطقة في المملكة. مع الحرص على تنوع المعروضات وشموليتها في إطار الوحدة الجغرافية والثقافية.
معلم تراثي وثقافي
ويعدُّ المتحف الوطني السعودي من المعالم التراثية والثقافية للمملكة. حيث افتتحه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد رحمه الله عام 1419 هـ/1999م ضمن الافتتاح الكبير لمركز الملك عبدالعزيز التاريخي. بمناسبة مرور 100 عام على دخول الملك عبدالعزيز رحمه الله الرياض في عام 1319هـ. وذلك على مساحة 17 ألف م2؛ أما المساحة الإجمالية لمبانيه فتبلغ حوالي 28000 متر مربّع. حيث يقع في الجانب الشرقي من مركز الملك عبدالعزيز التاريخي بحي المربع، بجوار قصر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.
وكان المتحف الوطني جزءًا من “خطة المربع للتنمية” لإعادة صقل المنطقة المحيطة بقصر المربع القديم للاحتفالات السنوية بالسعودية. حيث قام المهندس المعماري الكندي رايموند مورياما بتصميمه. وقد أتته فكرة التصميم من ألوان وأشكال الكثبان الرملية للرمال الحمراء خارج الرياض.
غرب واجهة المتحف تمثل المحيط الناعم للكثبان مع الحدود الخارجية التي تشكل هلالًا يشير إلى مكة. حيث تتصل هذه الواجهة بردهة واسعة، تتصل بساحة أصغر، تفصل المتحف إلى شمال وجنوب.
ويمثل الجناح الشمالي فترة ما قبل الإسلام. ويتصل بجسر مع الجناح الجنوبي الذي يعرض التاريخ الإسلامي.
لا يمثل المتحف الفكرة التقليدية للمتاحف الكلاسيكية القديمة؛ إذ لا يسلط الضوء على قطع أثرية بعينها لإبراز جمالها. ولكنه يركز على المغزى من عرضها وما تحويها من دلالات.
عرض المفاهيم التاريخية بشكل تفاعلي
يقدم المتحف أيضًا تجربة معرفية شاملة تهدف إلى توضيح المفاهيم التاريخية بشكل تفاعلي، يجذب الزوار من مختلف الأعمار. حيث تُعرض نماذج وقطع تعليمية تماثل القطع الأصلية بالحجم والشكل. ما يتيح للزوار فهم السياق التاريخي من منظور أوسع وأكثر عمقًا.
ويبتعد العرض المتحفي عن الإطارات الرتيبة، فجعل الفراغ بكل معروض هو الإطار لكل الحواس. متمثلة في الصوت والبصر واللمس والذاكرة، وتفاعلها مع المعروضات؛ ما جعل الفكرة ناجحة.
10 قاعات للعرض
يقع المتحف الوطني في الجهة الشرقية من مجموعة المباني التاريخية. ويفصل بينهما مجموعة كبيرة من الساحات والممرات العمرانية المخصصة للمشاة. ويتكون المبنى من بهو به شباك التذاكر والأمانات و10 قاعات، منها 8 للعرض الدائم مرتبة زمنيًا ومتصلة بلا حواجز في مسار متعرج، يبدأ من الدور الأرضي حتى الأعلى، ثم إلى الدور الأرضي؛ حيث تكون نهاية مسار الزيارة.
وينتهي بقاعتين متعددتي الأغراض للمعارض المؤقتة والموسمية، ثم إلى البهو مرة أخرى. ولكي تتم الجولة داخل المتحف بسهولة ويسر، يجب اتباع الأسهم الملتصقة على الأرض؛ فهي بمثابة دليل إرشادي عن كيفية التجول الصحيح داخل أروقة المتحف طبقًا للتسلسل الزمني.
دور الإسلام في تشكيل السعودية
تتسم الواجهة الغربية للمتحف بتحدب نحو الخارج في اتجاه القبلة؛ للتأكيد على دور الإسلام في تشكيل المملكة العربية السعودية. وتتصف واجهات المتحف بكونها حجرية مصمتة بلا أي زخارف أو تشكيل، تماشيًا مع المباني التاريخية التي حوله.
وتتميز الواجهة الشرقية للمتحف بالممرات المظللة بمشربيات ذات طابع تقليدي مبسط. حيث يُعد فن صناعة المشربيات أحد الفنون البارزة للفن الإسلامي.
تطور شبه الجزيرة العربية
يضم المتحف 8 صالات؛ هي: “الإنسان والكون”، و”الممالك العربية القديمة”، و”عصر الجاهلية”، و”البعثة النبوية”، و”الإسلام والجزيرة”، و”الدولة السعودية الأولى والثانية”، و”توحيد المملكة”، وأخيرًا صالة “الحج والحرمان الشريفان”.
وتتفرد كل صالة بعرض دائم يغطي تصورًا لبعد من أبعاد تطور شبه الجزيرة العربية حضاريًا، وفق ترتيب متسلسل زمنيًا.
جولة داخل المتحف الوطني
تتمثل قاعات المتحف فيما يلي:
- قاعة “الإنسان والكون”: تحوي جزءًا كبيرًا من الشهب التي عثر عليها في صحراء الربع الخالي، مع نماذج تفاعلية عن النظام الشمسي وجيولوجيا وجغرافيا شبه الجزيرة العربية وعن الحياة النباتية هناك. وتنتهي هذه الصالة بأول ظهور للعنصر البشري؛ أي الإنسان من العصر الحجري.
- قاعة “الممالك العربية”: تعرض الممالك القديمة؛ مثل دلمون، ومدين الحمرا، ودومة الجندل، وغيرها. بالإضافة إلى ذلك ممالك عربية متأخرة استوطنت في الأفلاج ونجران و عين زبيدة.
- قاعة “عصر الجاهلية”: أُعِدت خصيصًا لعصر ما قبل الإسلام وما كانت عليه مدن مكة، وجرش، وخيبر، وأيضًا أسواق؛ مثل عكاظ، والمجاز، والحبشة. بالإضافة إلى ذلك عرض نقوش كتابية بخط اليد لمعرفة تطور الكتابة والخط العربي خلال تلك الحقبة.
- قاعة “البعثة النبوية”: تعرض شجرة عائلة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتفاصيل دقيقة، ومسيرة حياته، ودوره في نشر الإسلام، والصعاب التي واجهها، وهجرته من مكة إلى المدينة، ثم عودته مرة أخرى إلى مكة؛ حيث أرسى شعائر الإسلام في موطنه الأصلي.
- قاعة “الإسلام والجزيرة”: حول بداية الإسلام في المدينة المنورة، وتاريخ ازدهار وسقوط الخلافة الإسلامية.
- قاعة “الدولة السعودية الأولى والثانية”: تعرض تاريخ وثقافة الدولتين وما خلفتهما من آثار أثْرَت التراث الإنساني مع التركيز على تطورهما الثقافي والسياسي.
- قاعة “توحيد المملكة”: تعرض كيف وحَّد الملك عبدالعزيز المملكة تحت قيادته، وجهوده في تأسيس الدولة الحديثة.
- قاعة “الحج والحرمان الشريفان”: تعرض مجسمًا ضخمًا يُمثل مكة المكرمة والمناطق المحيطة بها؛ ما يعكس أهمية الحج في حياة المسلمين.
علاوة على ذلك، لا يقتصر دور المتحف الوطني السعودي على كونه مركزًا لعرض القطع الأثرية، بل يُعد مركزًا تعليميًا ومعرفيًا، يُسهم في خدمة المجتمع.
ومن خلال البرامج والأنشطة المختلفة، يعمل المتحف على تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ القيم الثقافية والتاريخية لدى الأجيال الجديدة، كما يُتيح الفرصة للباحثين والدارسين للتعمق في دراسة تاريخ المملكة وتراثها؛ كونه يُجسد إرث المملكة وتاريخها العريق، ونافذة تُطل على الماضي، وتربط الأجيال الحاضرة بتاريخها العظيم.


















