دوروثي هودجكين العالمة التي كشفت أسرار جزيئات أنقذت ملايين الأرواح

لم تكن البلورات بالنسبة إلى العالمة البريطانية دوروثي كروفوت هودجكين مجرد أشكال هندسية آسرة، بل كانت بوابة لفهم أسرار الحياة على المستوى الجزيئي. فمن خلال تطوير استخدام علم البلورات بالأشعة السينية، استطاعت الكشف عن البنية الدقيقة لمركبات حيوية وأدوية مهمة، من بينها البنسلين وفيتامين ب12 والأنسولين، لتصبح واحدة من أبرز الشخصيات التي أسهمت في تطور الكيمياء والبحث الطبي خلال القرن العشرين. وتوّج مسارها العلمي بالحصول على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1964.

Dorothy Crowfoot Hodgkin as a baby with her mother
                 دوروثي كروفوت هودجكين، وهي طفلة مع والدتها. مأخوذة من كتاب “دوروثي كروفوت هودجكين” للكاتبة جورجينا فيري.

DOROTHY CROWFOOT HODGKIN - NobelPrize.org

شغف مبكر قادها إلى عالم الكيمياء

ولدت دوروثي ماري كروفوت عام 1910، ونشأت بين إنجلترا وشمال أفريقيا. ومنذ طفولتها، أبدت اهتمامًا واضحًا بالبلورات وأشكالها، وهو شغف بدأ يتحول تدريجيًا إلى فضول علمي حقيقي. ففي الرابعة عشرة من عمرها، عثرت على معدن أسود لامع في فناء منزل والديها خلال إحدى زياراتها إلى شمال أفريقيا، فطلبت من عالم التربة أ. ف. جوزيف مساعدتها على تحليله. وشجعها على الاستكشاف بمنحها صندوقًا يضم معادن ومواد كيميائية.

وبعد عامين، حصلت على كتاب للعالم ويليام هنري براغ يتناول استخدام الأشعة السينية في دراسة البلورات، وهي هدية ساعدت على تحديد مسارها العلمي. ورغم أن الكيمياء كانت تعد آنذاك مجالًا غير مألوف للفتيات في بعض المؤسسات التعليمية، أصرت هودجكين، مع صديقتها نورا بوسي، على دراسة هذا التخصص بدلًا من العلوم المنزلية التي كانت توجَّه إليها الطالبات.

تلاميذ في فصل الكيمياء

في مدرسة السير جون ليمان في بيكليس، إنجلترا، كانت دوروثي كروفوت هودجكين وصديقتها نورا بوسي، في الصف الخلفي، الفتاتين الوحيدتين في فصل الكيمياء. واضطرتا إلى تقديم التماس لأخذ الكيمياء بدلاً من “العلوم المنزلية” مع بقية الفتيات. 

Celebrating Dorothy Hodgkin - Science Museum Blog

                                تفاصيل من نموذج لبلورات فيتامين ب12 الرطبة، من تصميم دوروثي كروفوت هودجكين، حوالي عام 1959.  

تقنية أتاحت رؤية ما لا تراه العين

التحقت هودجكين بجامعة أكسفورد لدراسة الكيمياء، ثم واصلت أبحاثها في جامعة كامبريدج ضمن مختبر الكيميائي جيه دي برنال، الذي دعم مشاركة النساء في البحث العلمي.

هناك، بدأت تتعمق في علم البلورات بالأشعة السينية، وهي تقنية تتيح للعلماء استنتاج الترتيب ثلاثي الأبعاد للذرات داخل البلورات. وتعتمد على تمرير الأشعة السينية عبر البلورة وتسجيل نمط حيودها، ثم تحليل البيانات رياضيًا للكشف عن البنية الداخلية للجزيئات.

وفي عام 1934، حقق برنال إنجازًا مهمًا بالتقاط أول صورة بالأشعة السينية لبلورة بروتين، ما عزز الآمال في إمكانية استخدام التقنية لدراسة الجزيئات العضوية المعقدة، وليس المعادن والمواد غير العضوية فحسب.

لم تكن هودجكين حاضرة في المختبر لحظة هذا الاكتشاف، إذ كانت تتلقى الرعاية الطبية بسبب آلام في يديها. فقد شُخّصت إصابتها بالتهاب المفاصل الروماتويدي، وهو مرض رافقها طوال حياتها وتسبب في الألم والتورم وتشوهات في المفاصل. ومع ذلك، واصلت عملها العلمي رغم الصعوبات الجسدية التي واجهتها.

photographic portrait of dame dorothy crowfoot hodgkinson with her three children
في عام 1937، تزوجت دوروثي من توماس هودجكين، الذي كان مجال اهتمامه الرئيسي تاريخ وسياسة أفريقيا والعالم العربي، وكان مديرًا لمعهد الدراسات الأفريقية في جامعة غانا. أنجب الزوجان ثلاثة أبناء .

Happy Birthday Dorothy Crowfoot Hodgkin! (1910-1994), Dorothy helped advance the x-ray crystallography technique, which was the key to studying and understanding three-dimensional structures of ...

Politics: When Hodgkin met Thatcher | Nature

من البنسلين إلى فيتامين ب12 والأنسولين

في سن الرابعة والعشرين، بدأت هودجكين دراسة البنية ثلاثية الأبعاد للأنسولين، لكنها سرعان ما حولت اهتمامها إلى البنسلين، نظرًا إلى الحاجة الملحة إليه خلال الحرب العالمية الثانية. واستغرقت نحو أربع سنوات في تحديد البنية الذرية لهذا المركب، الذي كان فهم تركيبه خطوة مهمة نحو تحسين إنتاجه وتصنيعه.

ثم انتقلت إلى دراسة فيتامين ب12، وهو جزيء أكثر تعقيدًا، يضم 181 ذرة وفقًا للمصدر، واستغرق تحديد بنيته نحو ثماني سنوات. وفي نهاية المطاف، عادت إلى الأنسولين، الذي تطلبت دراسة بنيته الكاملة سنوات طويلة من العمل، قبل أن تتمكن من رسم خريطته التفصيلية عام 1969، بعد رحلة بحثية امتدت نحو 34 عامًا.

لم تكن هذه الإنجازات مجرد نجاحات نظرية؛ فقد ساعد تحديد بنية البنسلين على فهمه وتحسين عمليات تصنيعه، وأسهمت دراسة فيتامين ب12 في توسيع المعرفة بدوره في الجسم وعلاقته بعلاج بعض أنواع فقر الدم، فيما أتاح فهم تركيب الأنسولين أساسًا علميًا أكثر دقة لدراسة هذا الهرمون وتطوير العلاجات المرتبطة بمرض السكري.

وكانت ضخامة هذه المشروعات، وما تطلبته من حسابات معقدة، سببًا في اعتماد هودجكين على الوسائل التقنية المتقدمة كلما أصبحت متاحة، لتسهم أعمالها في توسيع إمكانات علم البلورات بالأشعة السينية.

IWD2024: Celebrating 60 Years since Dorothy Hodgkin Received Her Nobel - Somerville College Oxford

نوبل تقدير لإنجاز غيّر الكيمياء

في عام 1964، مُنحت دوروثي كروفوت هودجكين جائزة نوبل في الكيمياء تقديرًا لإسهاماتها في تحديد بنية مركبات حيوية مهمة باستخدام تقنيات الأشعة السينية. وقد رسّخ هذا التكريم مكانتها بين أبرز العلماء الذين ساعدوا على ربط الكيمياء بالطب، وفتحوا آفاقًا جديدة لفهم الجزيئات التي تؤدي أدوارًا أساسية في الحياة.

لكن أثرها لم يقتصر على المختبرات. فقد آمنت بأن العلم يجب أن يتجاوز الحدود السياسية، ودعمت التعاون بين العلماء من مختلف البلدان، حتى خلال الحرب الباردة. كما شاركت في تأسيس الاتحاد الدولي لعلم البلورات، وشجعت مشاركة الباحثين الصينيين والسوفييت في المنظمات العلمية الدولية.

 

نموذج قديم مع نموذج للبنية البلورية
                                      دوروثي كروفوت هودجكين مع نماذج وصور بلورية للجزيئات التي درستها. 

عالمة كرّست حياتها للسلام

إلى جانب مسيرتها العلمية، عُرفت هودجكين بمواقفها الداعمة للسلام ونزع السلاح النووي. وقد تأثرت رؤيتها جزئيًا بالخسائر التي شهدتها عائلتها خلال الحرب العالمية الأولى، فعارضت الحروب والأسلحة النووية، وشاركت في حملات مناهضة لحرب فيتنام.

وفي عام 1981، كانت تتولى رئاسة مؤتمرات بوغواش للعلوم والشؤون العالمية، التي تسعى إلى الحد من مخاطر الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل. وكانت ترى أن توظيف المعرفة العلمية لا ينفصل عن مسؤولية العمل من أجل عالم أكثر أمنًا وسلامًا.

وقد لخّصت هودجكين جانبًا من فلسفتها بقولها: أؤمن بتحسين العالم ومحاولة فعل كل شيء لتحسين الأمور، ولكن ليس لأنني أعرف ما سيحدث بعد ذلك.

رحلت دوروثي هودجكين عام 1994، لكنها تركت إرثًا يتجاوز جائزة نوبل والاكتشافات التي حققتها. فقد ساعدت على جعل علم البلورات بالأشعة السينية أداة أساسية في دراسة الجزيئات المعقدة، وأثبتت أن الصبر والمثابرة والفضول العلمي قادرون على تحويل أشكال صغيرة لا تُرى بالعين المجردة إلى مفاتيح لفهم الحياة وتطوير الطب.

الرابط المختصر :