دكتورة رانيا يحي تكتب : ريادة المرأة اللبنانية فنيًا وسياسيًا

“إذا أردت أن تعرف رقي أمة فانظر إلى نسائها”.. مقولة لنابليون ذات أبعاد فلسفية عميقة ننطلق منها؛ للتأكيد على أهمية المرأة وأدوارها العديدة، وأخص هنا العربية التي سطرت أروع صفحات التاريخ الوطني المشرف والنضال على مدار الزمن.

المرأة اللبنانية كمثيلاتها في باقي المنطقة، قدمت الكثير من التضحيات، لكنها تختلف عن مثيلاتها في بعض الدول العربية، بما تتسم به من الاهتمام بمظهرها وشراكتها في ميادين العمل المختلفة، والتعامل معها يعكس حالة من التطور والتقدم الفكري للمجتمع اللبناني، ربما نتيجة لعدم خضوعهم للتيارات الدينية المتشددة و المتزمتة الوافدة على بعض مجتمعاتنا العربية، ووعيهم وقدرتهم في التصدي لها، فظل فكرهم أكثر تحررًا وتحضرًا ، بالإضافة إلى انتشار اللغة الفرنسية لدى العامة له أثرًا إيجابيًا على اتساع الرؤية والانفتاح في التواصل مع ثقافات غربية مستنيرة جعل منها حقًا باريس الشرق.

وبالتأكيد، لم يقتصر الأمر على مظهرية الشكل فقط، بل المضمون العقلي والفكري لهن وللمرأة العربية بشكل عام، والذى أخذ منحنى مختلف خلال العقد الأخير من الألفية الثانية وعقدي الألفية الثالثة ووصل لأوجه في الأعوام الأخيرة، بجانب التنافس الشريف على وضعية المرأة بين هذه الدول، ما ساعد على تحقيق مكتسبات أكثر للمرأة، وعمل على بزوغ نجمها في مجالات مختلفة رغم محاولات الإقصاء والتهميش والعودة للوراء للأمة العربية حيال تنفيذ المؤامرات الصهيونية، إلا أن الاهتمام بملف المرأة توجها سفيرة لأوطانها؛ فحملت لواء أجندات مهمة على الصعيد السياسي بتوليها حقائب وزارية لها حساسية شديدة، بجانب تمثيلها لشعوبها داخل البرلمانات العربية وخلافه.

ورغم هذا، إلا أن التشكيل الحكومي لدولة لبنان الشقيق، عكس حالة من التحضر والرقي بوضع المرأة ليس في عدد الحقائب الوزارية وإنما بتتويج سيدة لوزارة سيادية تعمل على تحقيق الأمن والأمان والانضباط داخل مؤسسة عسكرية، وهو ما أسعدني وأسعد كثيرين، فطمس الفكرة ذات الثقافة الذكورية الموروثة في حد ذاته نجاحًا كبيرًا حققته لبنان بتدمير “التابوه الذكوري” بأداء تحية عسكرية لامرأة تعكس سعة الأفق والاحترام.

واستشعرت المرأة اللبنانية لحظة أداء التحية العسكرية إليها أنها تحمل عمقًا فكرًا راقيًا، وكأنها تحية تقدير وعرفان واحترام من الشعب اللبناني العريق بأكمله للمرأة ومكانتها.

ربما مشهد لم نعهده في عالمنا العربي في عصورنا الحديثة، وأعني هنا إذا عدنا بنظرة للتاريخ للحضارة الفرعونية التي أنتمي إليها، نجد مصر دونما العالم أجمع حكمتها ملكات وتقدمن الجيوش وحققن الانتصارات في ريادة غير مسبوقة، لذا جاء هذا القرار بتولي السيدة ريا الحسن؛ لوزارة الداخلية اللبنانية قرارًا استراتيجيًا سباقًا مبشرًا بما هو قادم للمرأة العربية واستعادة مكانتها بعد عصور ظلام.

وفي ظل المنافسة والحراك تجاه تمكين المرأة وعدم التمييز ضدها، وتحقيق مبادئ استراتيجية 2030، تتقلد المرأة أرفع المناصب وأجلها وهو ما تستحقه، ولا يفوتني أن أذكر الشهيدة الحية الإعلامية الشهيرة مي شدياق؛ والتي تولت منصب وزيرة الدولة لتنمية الشؤون الإدارية في سعة رؤية وأفق لدى القيادة السياسية اللبنانية، بجانب ندى بستاني خوري؛ وزيرة الطاقة والمياه، وفيوليت الصفدي؛ وزيرة الدولة لشؤون التأهيل الاقتصادي والاجتماعي للشباب والمرأة.

ولم يقتصر ركب التحضر على المجال السياسي للمرأة اللبنانية، وإنما نجد في مجالات الإبداع تتمكن المرأة وتثبت أنها بحق خير سفيرة لأوطانها، والواقع أن لبنان الحبيب يستحق، فهي دولة حضارة منذ آلاف السنين حين ظهرت الحضارة الفينيقية القديمة وتمثلها “عشترت” آلهة الحب والجمال ،فدائمًا ما تبحث اللبنانية عن هذه القيم الإنسانية التي تتجسد في الفنون، وعادة ما تأتي السينما في المقدمة لما لها من دور كبير ومؤثر حتى على أوضاعنا السياسية، فالفن السابع يحتضن في بوتقته الفنون جمعاء، لذا هي أبعد الفنون أثرًا وفاعلية في تشكيل العقل البشري والثقافة الإنسانية بوجه عام ،كما أنها أداة مؤثرة في إحداث التغيير الاجتماعي وفي التنمية الثقافية والتي تهدف إلى الارتقاء بالمجتمع.

وإذا انتقلنا لحال السينما اللبنانية، نجدها أفضل حالاً أيضًا على يد المرأة، خاصة بعد أن حصدت المخرجة اللبنانية نادين لبكي على جوائز دولية عالمية؛ تقديرًا لإبداعها المتميز في فيلمها الأخير “كفر ناحوم”، والذي انطلقت به من المحلية إلى العالمية، وفجرت قضايا واقعية ملحة تغلفها الإنسانية في مخاطبة النفس البشرية.

والواقعية الشديدة للفيلم، خلقت منه حالة خاصة جدًا لدى الجمهور المتلقي، لذا وصل لأعلى الإيرادات على شباك التذاكر، وحصد العديد من جوائز المهرجانات.

ويعبر فيلم “كفر ناحوم” عن حياة طفل نشأ في ظل أزمات سياسية واجتماعية طاحنة، والمعاناة الحقيقية هي لأطفالنا المسلوبة براءتهم والمنتهكة حرياتهم خلال السياق الدرامي للأحداث التي ننغمس فيها كليًا لما تحدثه من اَثر نفسي للمتلقي، نتيجة للتماهي مع جدية الأحداث وواقعيتها، وهو ما أصبغ الفيلم بلون مغاير، حيث مزج بين الثراء الفكري والمضمون الهادف، وكذلك ملامسته للطفولة بكل ما تحمله من عفوية وبراءة، فهم ملائكة الله على أرضه، ورغم ذلك يتعرضوا لمآسي حقيقية نتيجة وعي مجتمعي منقوص، وسلطة غائبة، مع أهل لم يدركوا حجم مسؤولية الضمير الملقاة عليهم قبل أن تكون مسؤولية فرضية نتيجة هذه العلاقة، ما يضطر الابن البطل “زين” أن يرفع دعوى قضائية ضد أبويه اعتراضًا على فقد عذرية طفولية طالتها أيادي البطش والتنكيل.

وصورت المخرجة نادين لبكي، الأبعاد السيكولوجية، مجسدة معاناة حقيقية على الشاشة، بتآزر العناصر الفنية المرافقة جميعها، والتي تعمل على خدمة النسق الدرامي بأداء محترف ونضج فني يمثل مرحلة جديدة لقائدة كتيبة هذا الفيلم برؤية ثاقبة وإنسانية مفرطة، والتي اعتمدت على ممثلين غير محترفين، ما صعب مهمتها كمخرجة؛ لكن عفوية الأداء ومصداقيتها تكسر الحاجز الافتراضي للمتلقي، كما استطاعت أن توجه أنظار العالم للقضايا التي تناولتها ببعد إنساني بحت، استثار حسها العاطفي؛ ففجر طاقات الإبداع الكامنة لديها منطلقة نحو العالمية.

ورغم احتواء الفيلم على الكثير من اليأس والبؤس؛ إلا أن المعالجة الفنية رائعة، حيث انتقلت بنا من حالة سوداوية لمثيلتها، ما بين العنف والتعذيب وزواج القاصرات والاتجار بالبشر وأطفال الشوارع والمشردين رواد المناطق العشوائية، لاغتيال براءة طفل ضحية ظروف سياسية واقتصادية، يدفع ثمنها دون أن يكون له أي دخل بها، فعبرت عن طفولة مهمشة يعيشها عدد غير قليل من أطفالنا وبالأخص اللاجئين أصحاب المصير المجهول.

ويعد خروج هذا الفيلم للنور، بمثابة طعنة للقلوب التي قتلتها القسوة والخسة، وكذلك صحوة لضمائر المسؤولين والحكام لإيقاظه من غفوته.

إبداع حقيقي وقدرة بارعة للمخرجة لتوظيف أدوارها بهذا التميز؛ لتشعر كمتلقي أنك أمام تجربة إنسانية تتداخل معها وبها، متناسيًا أنك تتابع فيلمًا سينمائيًا؛ لتتماهى منصهرًا داخل الأحداث المجسدة على الشاشة وكأنك تحيا جزء من واقعك المؤلم داخل سياق مكاني مختلف، لكنه يسرق الزمن مخاطبًا عقلك وقلبك معًا، ودائمًا ما نبحث عن كل جديد في الفن؛ ليقدم على الساحة حاملًا قيمًا ورسائل سامية للبشر تُترجم حقيقة الإبداع الفني بمفهومه الجاد.

في النهاية، أي إنجاز يتحقق للمرأة اللبنانية، هو مدعاة للفخر للمرأة العربية في كل مكان، فتحية من القلب لكل من يسير خطوة للأمام في مجال تمكين المرأة، فهي بحق تستحق المزيد.

دكتورة رانيا يحيى

رئيس قسم فلسفة الفن بأكاديمية الفنون

عضو المجلس القومي للمرأة بمصر

الرابط المختصر :