حين تسير في أزقة حي البجيري بالدرعية، تجد نفسك أمام مشهدٍ يعيدك قرونًا إلى الوراء. حيث الطين هو لغة الجدران، والخشب هو سند السقوف، والتاريخ يطل من بين كل حجرٍ وممر. البجيري ليس مجرد حي قديم، بل هو قلب نابض يختصر ذاكرة الوطن السعودي الأولى، ويجسد حكاية من الطموح والهوية، امتزج فيها الماضي بالحاضر في لوحةٍ معمارية فريدة. وفقًا لما ذكرته العربية.
البجيري.. قلب الدرعية
الدرعية، العاصمة الأولى للدولة السعودية، تحمل قيمة تاريخية وروحية عميقة، فهي مهد تأسيس الدولة ومركز إشعاع سياسي وثقافي. ومن بين أحيائها، يبرز حي البجيري كأحد أهم المعالم التي احتضنت العلماء والدعاة، وكان شاهدًا على بدايات مشروع الدولة السعودية الأولى.
المباني الطينية.. جمال البساطة وذكاء البيئة
يتميز حي البجيري بمبانيه الطينية التي تمثل الطراز النجدي الأصيل. لم تكن هذه المباني مجرد مأوى للسكن، بل هي تعبير عن انسجام الإنسان مع بيئته:
- الطين كان المادة الأساسية للبناء، لما له من قدرة على حفظ البرودة في حر الصيف وتخزين الدفء في شتاء نجد القارس.
- جذوع النخل والأخشاب تم استخدامها في الأسقف والدعامات، في انسجام مع طبيعة الموارد المحلية.
- الفناء الداخلي وفر الخصوصية للأسرة، وسمح بدخول الضوء والهواء، في انسجام مع تقاليد المجتمع النجدي.

من الأطلال إلى وجهة عالمية
لم يبقَ البجيري حبيس الماضي، بل شهد مشروعًا ضخمًا لإعادة إحيائه ضمن مشروع بوابة الدرعية. اليوم، تحولت بيوته الطينية القديمة إلى فضاءات عامرة بالحياة، تضم مطاعم ومقاهي عالمية، ساحات للفعاليات الثقافية، ومعارض تحكي قصة التوحيد والتاريخ السعودي. وبذلك صار الحي جسرًا بين التاريخ والحداثة، يجذب الزوار من داخل المملكة وخارجها.
الدرعية على قائمة التراث العالمي
منذ عام 2010، تم إدراج منطقة الدرعية التاريخية “حي الطريف” ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، تقديرًا لقيمتها التاريخية والمعمارية. وحي البجيري اليوم يعتبر الواجهة الحديثة التي تستقبل الزائر، ليبدأ منها رحلته إلى قلب التاريخ.
البجيري اليوم.. أكثر من مجرد حي
لم يعد البجيري مجرد حي قديم، بل أصبح مركزًا للثقافة والسياحة والضيافة. في ساحاته تقام الفعاليات الفنية والتراثية، وفي أزقته يلتقي الزوار بعبق الماضي، بينما تحيط به الطبيعة في مشهد يكتمل بمرور وادي حنيفة بجواره، ليمنح المكان سحرًا طبيعيًا خاصًا.
اقرأ أيضًا: “الموارد البشرية” تطلق “جائزة التنمية الشبابية” لتمكين الشباب في رؤية 2030
وأخيرًا حي البجيري في الدرعية ليس مجرد بيوت طينية أعيد ترميمها، بل هو شهادة على قدرة المملكة في الحفاظ على هويتها وتراثها، مع فتح أبوابها للعالم. وبين الطين والخشب والحجارة، تختبئ حكاية وطنٍ بدأ من هنا، ولا يزال يكتب فصول مستقبله من قلب تاريخه.


















