في كثير من الأسر، تعد الخلافات والمشاجرات بين الإخوة جزءً طبيعيًا من الحياة اليومية، وقد تبدأ بسبب لعبة أو موقف بسيط أو منافسة على اهتمام الوالدين. لكن ماذا يحدث عندما تتجاوز هذه الخلافات حدودها الطبيعية، ويتحول أحد الأشقاء إلى مصدر دائم للخوف والقلق بالنسبة لأخيه أو أخته؟
تزداد هذه المشكلة تعقيدًا في بعض الأسر التي يعيش فيها طفل يعاني من اضطرابات نفسية أو سلوكية أو إعاقات تؤثر في طريقة تعامله مع الآخرين.
ففي بعض الحالات، قد يظهر الطفل سلوكًا عدوانيًا، مثل الضرب أو الدفع أو التهديد. الأمر الذي قد يترك آثارًا نفسية على إخوته، ويجعل المنزل، الذي يفترض أن يكون مساحة آمنة، مصدرًا للتوتر والقلق.
عندما يخاف الطفل من شقيقه
لا يمر العنف بين الأشقاء دائمًا دون آثار، فالطفل الذي يتعرض بصورة متكررة لسلوك مؤذٍ من أخيه أو أخته قد يعيش في حالة من الترقب والخوف، خصوصًا عندما تكون هذه التصرفات غير متوقعة أو متكررة.

وقد يشعر بعض الأطفال بالحرج من الحديث عما يحدث داخل المنزل، أو يجدون صعوبة في التعبير عن خوفهم. بينما قد تظهر معاناتهم بطرق أخرى، مثل اضطرابات النوم، أو الانعزال، أو تغير السلوك، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانوا يستمتعون بها.
وفي بعض الحالات، قد يصبح أحد الأطفال هدفًا متكررًا لعدوان شقيقه، وهو ما يجعل العلاقة الأخوية أكثر تعقيدًا. خاصة عندما يشعر الطفل بأنه مطالب دائمًا بالتفهم والصبر بسبب الحالة الصحية أو النفسية لشقيقه.
تحدٍّ صعب أمام الوالدين
يجد الآباء أنفسهم في هذه الحالات أمام معادلة صعبة؛ فهم يحاولون تقديم الدعم والرعاية للطفل الذي يعاني من مشكلة نفسية أو سلوكية. وفي الوقت نفسه عليهم حماية بقية الأبناء وضمان عدم إهمال احتياجاتهم.
وقد يؤدي الضغط المستمر إلى شعور الوالدين بالإرهاق والعجز، خاصة إذا جربوا حلولًا مختلفة دون الوصول إلى نتائج واضحة. كما قد يشعر الأب أو الأم بالذنب، أو بالقلق من عدم قدرتهم على منح كل طفل الاهتمام الذي يحتاج إليه.
لكن حماية الطفل الذي يتعرض للأذى لا تعني التخلي عن الطفل الذي يعاني من المشكلة. كما أن تفهم ظروف أحد الأبناء لا ينبغي أن يعني تجاهل سلامة الآخرين. فالأسرة تحتاج إلى تحقيق توازن يضمن الدعم والعلاج لمن يحتاج إليه، مع وضع حدود واضحة تمنع استمرار السلوك المؤذي.

ليست كل مشاجرة بين الإخوة أمرًا عاديًا
من المهم التمييز بين الخلافات اليومية المعتادة وبين السلوك العدواني المتكرر. فالمنافسة أو الجدال بين الإخوة قد تكون جزءً طبيعيًا من نموهم. لكن تكرار الضرب أو التهديد أو الترهيب، أو شعور أحد الأطفال بالخوف المستمر من شقيقه، هي إشارات تستحق اهتمام الوالدين.
وقد يقلل البعض من خطورة الأمر باعتباره مجرد مشاجرات بين الأطفال، إلا أن استمرار هذه السلوكيات يمكن أن يؤثر في شعور الطفل بالأمان داخل منزله.
كيف يمكن للأسرة التعامل مع المشكلة؟
يبدأ التعامل مع هذه الحالات بالاستماع إلى جميع الأبناء ومنح كل طفل فرصة للتعبير عن مشاعره دون خوف من اللوم. فالطفل المتضرر يحتاج إلى معرفة أن مشاعره مهمة، وأن طلبه للحماية لا يعني أنه يتصرف ضد أخيه أو أخته.
كما يمكن للوالدين تعليم الأبناء طرقًا أكثر هدوءً لحل الخلافات والتعبير عن الغضب، مع تعزيز السلوك الإيجابي عندما يظهر. وقد يكون من المفيد أيضًا تخصيص وقت فردي لكل طفل، حتى لا يشعر أحدهم بأنه مهمش بسبب الاهتمام المكثف بأخ أو أخت يعاني من ظروف خاصة.
وفي بعض الأحيان، قد تساعد المسافة المؤقتة بين الأشقاء، أو مشاركتهم في أنشطة منفصلة، على تخفيف التوتر. مع الحفاظ في الوقت نفسه على فرص للتفاعل الإيجابي والآمن بينهم.

متى يجب طلب المساعدة؟
إذا لاحظ الوالدان أن أحد الأبناء أصبح يتجنب شقيقه بشكل واضح، أو يعاني من تغيرات في النوم أو الشهية أو الأداء الدراسي. أو أصبح أكثر انعزالًا وقلقًا، فقد يكون من الضروري البحث عن دعم متخصص.
وتبقى الأولوية في جميع الحالات لسلامة الأطفال. فالعلاقة بين الأشقاء يمكن أن تكون واحدة من أطول العلاقات وأكثرها تأثيرًا في حياة الإنسان. لكنها تحتاج إلى بيئة يشعر فيها كل طفل بالأمان والاحترام.
لا يعني وجود طفل يعاني من اضطراب أو إعاقة أن العلاقات داخل الأسرة محكوم عليها بالتوتر أو العنف. ومع الدعم المناسب، والتواصل، ووضع حدود واضحة، يمكن للأسرة أن تساعد جميع أبنائها على بناء علاقة أكثر توازنًا وأمانًا. بحيث لا يتحول البيت إلى مكان يخاف فيه طفل من أقرب الناس إليه.

















