حين تكتب المرأة المجتمع.. عبقرية قلم الروائية جين أوستن الهزلي

أحيانًا يحتاج الإنسان إلى فضاءات كثيرة ليدرك تأثير بعض الكلمات، أو ليقنع نفسه بما يصعب عليه الاقتناع به. إذ نجد أن للكلمات مضامين غرقت في العتمة وبعضها يشع وضوحًا ويخطف الأبصار.

ولكننا لا نستطيع أن نأخذ منها إلا بعضًا كما هي بلا تنقيح أو تلميع، ومن ضمنها، مصطلحا “العاطفة” و“العقل” اللذان لطالما حيرا البشرية وعانت من تبعات تفسيرهما الذي يأخذ أشكالًا متعددة وأغلبها مؤلمة.

مسيرة الروائية البريطانية جين أوستن

جين أوستن (1775 – 1817) روائية إنجليزية، ورواياتها من أفضل ما كتب في اللغة الإنجليزية. ولدت في ستيفنتن في بريطانيا العام 1775. وكان والدها قسًا قرويًا لا يملك الكثير من المال مع ذلك فقد كانت طفولتها سعيدة.
تعلمت القراءة جين في المقام الأول على يدي والدها وإخوتها الأكبر سنًا، وعام 1801 انتقلت أسرتها إلى مدينة “باث” جنوب غرب إنجلترا.
إلا أن هذه المدينة لم تستهويها إذ بعد وفاة والدها في العام 1805، انتقلت جين ووالدتها وأختها إلى شوتون؛ حيث اهتم بهن أخوهن الغني وتكفل بهن.
قبلت جين بعد ذلك الزواج من رجل ثري ولكنها كانت قصيرة المدى فقد نامت جين لتصحو في صباح مبكر، وتهمس في أذن إحدى بنات أشقائها “كل شيء يمكن أن يحدث.. أي شيء يمكن أن يتحمله الإنسان إلا أن يتزوج بغير حب”.
استمرت مسيرة أوستن الفنية منذ سن مراهقتها حتى أصبحت في الخامسة والثلاثين من عمرها.
خلال الفترة من العام 1811 وحتى العام 1816، حققت نجاحًا هائلًا ككاتبة إذ نشرت العديد من رواياتها مثل:
  • “العقل والعاطفة” 1811.
  • “كبرياء وهوى” 1813.
  • “حديقة مانسفيلد” 1814.
  • “إيما” 1815.
رواية “حديقة مانسفيلد” 1814 Mansfield Park للروائية البريطانية “جين أوستن”
رواية “إيما” 1815 Emma للروائية البريطانية “جين أوستن”

كما قامت بعد ذلك بكتابة روايتي “دير نورثانجر” و“إقناع” اللتين تم نشرهما بعد وفاتها في 1818.

وتعتمد حبكات أوستن الروائية، -بالرغم من الأساس الهزلي- على تسليط الضوء على اعتماد المرأة على الزواج لضمان المكانة الاجتماعية والأمن الاقتصادي.

رواية “دير نورثانجر” 1818 Northanger Abbey للروائية البريطانية “جين أوستن”
رواية “إقناع” Persuasion 1818 للروائية البريطانية “جين أوستن”

العقل والعاطفة عند جين أوستن

اشتهرت الكاتبة الإنجليزية جين أوستن، بست روايات كلاسيكية أبرزها روايتها الأكثر انتشارًا “كبرياء وهوى” 1813. التي تتناول وضع المرأة في القرن التاسع عشر، وسعيها إلى الزواج من أجل الحصول على دخل ثابت ومركز اجتماعي.
رواية “كبرياء وهوى” 1813 “Pride and Prejudice” للروائية البريطانية “جين أوستن”
أما في روايتها “العقل والعاطفة” 1811، فتصف أوستن العقل بأنه الحكم الصائب والحكمة. كما تجسدها شخصية إلينور. أما تغليب العاطفة والمشاعر فتجسده شخصية ماريان.
فالصراع في هذه الرواية هو بين الشخصية العقلانية والشخصية العاطفية ممثلتين بالشقيقتين المختلفتين، وبما لكل منهما من مواقف وأحكام ومشاعر.
فالعقلانية إلينور تراهن على صواب الفكرة التي تنص على أن “المرأة مصلوبة على جدار العقل والحكمة ولا شيء غيره”.
أما ماريان التي فتحت أبواب الحب والوفاء والرقة أمام نفسها، على الرغم من علمها سلفًا أنها ستخسر قصة حبها. لا تحيد عن الدرب الذي سلكته بل تمسكت بتعاملها مع الحب مثلما تلعب لعبة المكعبات تحرك ألوانها طوال الوقت، ولا تمل حتى تصل إلى مرحلة الاصطفاف.
وعندما تنجح، تترك اللعبة وتمضي لتشاكس عقلانية أختها إلينور التي تعتلي الحكمة والمنطقية عقلها وقلبها. والمنشغلة دائمًا بكثير من الأسئلة والتساؤلات. وفي النهاية، كلتاهما تخسران المعركة. فلا العقل وحده يفوز ولا القلب وحده يحقق النجاح.
السؤال هنا هو: كيف يتعامل الإنسان مع عاطفته وعقله؟ وهل الرواية تجيبنا فعلًا أم أن الرواية ما هي إلا تعبير عما نعجز أن نمارسه في حياتنا؟
رواية “العقل والعاطفة” 1811 “Sense and Sensibility” للروائية البريطانية “جين أوستن”

إسقاط الأسئلة على حياة القارئ

في بعض التجليات العميقة، تقدم الروايات إجابات غير مباشرة عن الأسئلة الوجودية التي ترافق الإنسان في علاقته بذاته وبالعالم من حوله. لتتحول إلى مساحة اعتراف وتأمل. تسقط فيها الصراعات الفكرية والعاطفية على مصائر الشخصيات، وتصبح مرآة لما يعيشه القارئ في واقعه الخاص.

ومن خلال شخصيات تتخفى جراحها خلف لغة أنيقة ووعي متشظٍ، نكتشف كيف يمكن للكلمة أن تكون وسيلة للنجاة، لا مجرد أداة تعبير.

وتغدو الكتابة على ذاك النحو  إلى محاولة جمع شتات الأفكار والمواقف والمشاعر في إطار واحد. لمواجهة الأوهام الفكرية، وإعادة النظر في العلاقات الإنسانية، والبحث عن توازن محتمل بين العقل والعاطفة.

الرابط المختصر :