لم يكن سقراط، أحد أشهر فلاسفة اليونان القديمة، يعيش حياة هادئة كما قد يتخيل البعض عن رجل كرّس حياته للتأمل والحوار والبحث عن الحقيقة. فقد ارتبط اسمه بحكاية زواجه اشتهرت عبر القرون، بطلتها زوجته كزانتيب، التي صورتها الروايات القديمة بوصفها امرأة حادة الطباع كثيرة التذمر.
وسرعان ما تحولت هذه العلاقة إلى واحدة من أشهر الحكايات الطريفة المرتبطة بالفيلسوف. فبينما كانت كزانتيب تغضب وتشتكي، كان سقراط يواجه غضبها بهدوء لافت، حتى أصبحت قصتهما مثالًا يتردد كلما ذكرت العلاقة بين الحياة اليومية والفلسفة.
مولد سقراط في العصور الكلاسكية القديمة
ولد سقراط عام 480 قبل الميلاد في أثينا باليونان. وكان أحد أكثر المفكّرين الثلاثة تأثيرًا في العصور الكلاسيكية القديمة، إلى جانب أفلاطون (تلميذ سقراط المتحمّس) وأرسطو.
ورغم تعرّضه وأفكاره للسخرية خلال حياته وبالأخص في مسرحية “السحب” (clouds) للمؤلف المسرحي الكوميدي “أرسطوفانس” (Aristophanes)، إلا أنّ فلسفات سقراط صمدت لآلاف السنين.
وعلى الرغم من تبجيله كمفكر عظيم، ادعى سقراط أنّه لم يسعَ قط لتعليم أي شيء، لأنّه لم يكن يعلم شيئًا. بل عُرف بما أُطلق عليه منذ ذلك الحين “المنهج السقراطي” المتمثّل في الانخراط في حوارات عامة قائمة على الأسئلة حول طيف واسع من المواضيع مثل طبيعة العدالة، والفضيلة، والحكمة.
كان شخصية مثيرة للجدل. فعلى الرغم من كثرة أتباعه، سخر كتّاب الدراما الكوميدية من تعاليم سقراط. كما كان ببطنه المنتفخ وشعره الأشعث وعينيه الجاحظتين، شخصيةً فذّة في أثينا المهووسة بالجمال.
سقراط.. الفيلسوف الذي بدأ من السؤال
يعتبر سقراط من أبرز الشخصيات التي تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الفلسفة الغربية. وعلى الرغم من أنه لم يترك مؤلفات مكتوبة بنفسه، فإن أفكاره وصلت إلى الأجيال اللاحقة من خلال تلاميذه، وعلى رأسهم أفلاطون وزينوفون.
لم يكن سقراط يبحث عن الحكمة من خلال تقديم إجابات جاهزة، بل كان يبدأ بالسؤال. كان يدخل في حوارات طويلة مع الناس حول العدالة والفضيلة والخير والمعرفة، ثم يواصل طرح الأسئلة حتى يدفع محاوريه إلى إعادة التفكير فيما يعتقدون أنهم يعرفونه.
ومن هنا ارتبط اسمه بما أصبح يعرف بالمنهج السقراطي، الذي يقوم على الحوار والمناقشة وكشف مواطن الجهل والتناقض في الأفكار.
وأشار بعض المؤرخين إلى أنّ جزءًا كبيرًا من الازدراء الشعبي لسقراط، نابع من مقاومة التأمل الذاتي، من منطلق أنّه من الأسهل طرح أسئلة عميقة في الأوقات الجيدة، بينما في الأوقات الأكثر تقلبًا، قد تكون هذه التساؤلات خطيرة.
كزانتيب.. الزوجة التي صنعتها الروايات
أما كزانتيب، زوجة سقراط، فقد دخلت التاريخ من زاوية مختلفة تمامًا. فقد صورتها بعض الروايات باعتبارها امرأة شديدة الانفعال، كثيرة الشكوى، لا تتردد في إظهار غضبها أمام زوجها وتلاميذه.
ومع مرور الوقت، تضخمت هذه الصورة حتى تحولت كزانتيب في الثقافة الشعبية إلى نموذج للزوجة صعبة المراس، وأصبح اسمها نفسه مرتبطًا بالحياة الزوجية المضطربة.
بين غضب الزوجة وهدوء الفيلسوف
تروي الحكايات أن كزانتيب كانت كثيرة الجدال مع سقراط، وأنها كانت تلومه على انشغاله بالفلسفة وعدم اهتمامه بالمال والحياة المادية، في حين كان هو يواجه غضبها بالهدوء والصبر.
وكان سقراط، بحسب الروايات المتداولة، يرى أن الإنسان يستطيع أن يتعلم حتى من أصعب الظروف التي يمر بها. فإذا تمكن من المحافظة على هدوئه أمام شخص غاضب، فإنه يصبح أكثر قدرة على التحكم في نفسه ومواجهة صعوبات الحياة.
سأل الفيلسوف أنتيستينس سقراط لماذا تزوج مثل هذه المرأة “الشريرة”، فأجاب قائلا إن الفرسان الخبيرين لا يختارون الخيول المطيعة بل الخيول العنيدة، لأنهم إذا تمكنوا من كبح جماحها وترويضها، فلن يصعب عليهم غيرها.
سقراط أوضح أنه فعل الأمر ذاته. أراد أن يكون قادرا على التعامل مع الجميع، واعتقد أنه إذا نجح في التعايش مع زوجته زنتيب، فسيكون من السهل عليه التعامل مع الجميع.
ومن هنا جاءت الحكاية التي اشتهرت عنه، والتي تصور الزواج باعتباره تجربة يمكن أن تمنح الإنسان السعادة إن كان موفقًا، أو تعلمه الصبر والحكمة إن واجه حياة زوجية صعبة. وهكذا تحولت مشاحنات البيت، في الرواية الشعبية، إلى درس فلسفي آخر يتعلم منه سقراط كما يتعلم تلاميذه من مجالسه.
هل كانت كزانتيب فعلًا كما تصفها الحكايات؟
ربما تكون هذه أكثر النقاط إثارة للجدل في القصة كلها. فقد رسخت الكتب والحكايات صورة كزانتيب باعتبارها «الزوجة النكدية» التي لا تكف عن إزعاج زوجها، حتى أصبحت شخصيتها جزءًا من الأمثال والحكايات الشعبية.
لكن التاريخ لا يمنحنا صورة كاملة عنها. فنحن لا نملك ما يكفي من المصادر المباشرة التي تسمح لنا بفهم شخصيتها أو حياتها الزوجية مع سقراط بصورة دقيقة.
لذلك فمن الأفضل النظر إلى قصة كزانتيب باعتبارها مزيجًا من التاريخ والرواية الأدبية. وقد يكون جزء من الصورة التي وصلت إلينا قد تشكل بسبب الطريقة التي كان بها الكتاب والفلاسفة في العصور القديمة ينظرون إلى المرأة والزواج والحياة الأسرية.
سقراط.. حكمة لا تحتاج إلى إجابات جاهزة
بعيدًا عن قصته الزوجية، بقي إرث سقراط الحقيقي في طريقته في التفكير. فقد كان يؤمن بأن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الحكمة ما لم يعترف أولًا بحدود معرفته.
ولهذا ارتبط اسمه بالعبارة الشهيرة: «أعلم أني لا أعلم شيئًا»، وهي تعبير يلخص الفكرة الأساسية التي كثيرًا ما نُسبت إلى فلسفته: أن الاعتراف بالجهل قد يكون بداية المعرفة.
فالحكيم، في نظر سقراط، ليس الشخص الذي يملك إجابة عن كل سؤال، وإنما من يعرف كيف يسأل، وكيف يفحص أفكاره، وكيف يعترف بإمكان خطئه.
من بيت سقراط إلى صفحات التاريخ
قد تكون قصة سقراط وكزانتيب طريفة، وقد يكون بعضها مبالغًا فيه، لكنها بقيت حية لأنها تجمع بين شخصيتين متناقضتين في الصورة الشعبية: فيلسوف يبحث عن الحكمة، وزوجة يُقال إنها لا تمنحه فرصة للهدوء.
ومع ذلك، فإن أهمية سقراط لا تكمن في هذه الحكاية، ولا في الأقوال التي انتشرت باسمه، وإنما في الأثر الذي تركه في طريقة الإنسان في التفكير.
لقد جعل من السؤال أداة للمعرفة، ومن الحوار وسيلة لاختبار الأفكار، ومن الاعتراف بالجهل خطوة نحو الحكمة. وربما لهذا السبب بقي اسمه حاضرًا بعد أكثر من ألفي عام؛ فبينما تغيرت المدن والإمبراطوريات،
حكم الإعدام الشهير ضد سقراط كان نتيجة لإدانته بتهمتي “إدخال آلهة جديدة وإفساد الشباب بروح جديدة”، صوّت 300 شخص من القضاة المحلفين لصالح عقوبة الإعدام ووقف ضدها 200 آخرين.
تجرع سقراط السم بعد شهر من صدور حكم الإعدام ورفض خيارات أخرى عرضت عليه مثل النفي أو الهرب. تناول سقراط نوعا من السموم يسبب الشلل والوفاة من نوبات تؤدي إلى الاختناق.
الفيلسوف أفلاطون وصف في مذكراته اللحظات الأخيرة لسقراط، مشيرا إلى أنه بدا سعيدا وواجه الموت بشجاعة. مدّ الجلاد إليه بالكوب المسموم، تجرعه على الفور ورد الكأس إليه، ثم استلقى محاطا بأصدقاء سُمح لهم بحضور الإعدام. أثناء انتظار سريان مفعول السم، أبلغ سقراط أصدقائه بأن الموت ليس أكثر من تحرير الروح من الجسد.
شكّلت وفاة سقراط حادثة استثنائية ايضًا، إذ قدّم في سن السبعين، للمحاكمة ووُجِّهت إليه تهمة الكفر، أو عدم تبجيل الآلهة اليونانية، وإفساد الشباب الأثيني.
من أشهر أقواله
سر السعادة كما ترى لا يتم في السعي إلى المزيد ولكن تنمية القدرة على التمتع بأقل.
إذا أردت أن أحكم على إنسان، فإني أسأله كم كتاباً قرأت وماذا قرأت.
التربية الخلقية أهم للإنسان من خبزه وثوبه.
ستة لا تفارقهم الكآبة: الحقود.. والحسود.. وحديث عهد بغنى.. وغني يخاف الفقر.. وطالب رتبة يقصر قدره عنها.. وجليس أهل الأدب وليس منهم.
أنا لست أثينيًا ولا يونانيًا. أنا مواطن عالمي.























