جدة التاريخية.. حكاية السور العتيق وبواباته الثمانية

جدة التاريخية.. حكاية السور العتيق وبواباته الثمانية
جدة التاريخية.. حكاية السور العتيق وبواباته الثمانية

على ضفاف البحر الأحمر، تقف “جدة التاريخية” كشاهد حي على حقب زمنية تعاقبت لتصنع هوية بصرية واجتماعية فريدة.

في قلب هذا التاريخ، برز سور جدة العتيق وبواباته الثمانية كحصن منيع لم يقتصر دوره على الحماية العسكرية فحسب، بل كان الشريان النابض الذي ينظم حركة التجارة. والحج، والحياة اليومية لسكانه.

نسيج مجتمعي فريد: الحارات وعمدتها

توزعت الحياة داخل السور القديم بين ثلاث حارات رئيسة تمثل المكون الأساسي لجدة_ آنذاك_:

  • حارة الشام: تقع في الجزء الشمالي.
  • حارة اليمن: تقع في الجزء الجنوبي.
  • حارة المظلوم: تتوسط الحارتين وتشغل قلب المدينة الإستراتيجي.

ولم تكن هذه الحارات مجرد تقسيمات جغرافية، بل كانت مجتمعات متكاملة يدير شؤونها عمدة الحارة” أو “شيخها”؛ وهو الرجل الذي يمثل حلقة الوصل الحيوية بين أهالي الحي، والشرطة، والسلطة المحلية، متحملًا مسؤولية السلم الاجتماعي والشأن العام.

السور العتيق: تحصين ضد الغزاة

يعود تاريخ تشييد هذا السور التاريخي إلى عام (917هـ / 1509م)، حيث أمر ببنائه الأمير المملوكي حسين الكردي بهدف تحصين البحر الأحمر وحماية المدينة من الهجمات البرتغالية. وقد شارك أهالي جدة في بنائه مظهرين تلاحم مجتمعي كبير.

تميز السور بأضلاعه الخماسية وبنيته المتينة مستخدمًا الحجر المنقبي المستخرج من بحيرة الأربعين (بحر الطين)، ومدعمًا بالخنادق والقلاع والأبراج؛ حيث احتوى في بدايته على ستة أبراج (محيط كل منها 16 ذراعاً) وبابين رئيسين (أحدهما باتجاه مكة والآخر باتجاه البحر)، قبل أن تفتح فيه لاحقًا بوابات أخرى ليصل مجموعها إلى ثماني بوابات.

بحسب الموسوعة العالمية .يروي المؤرخ الدكتور مبارك المعبدي في كتابه “النشاط التجاري لميناء جدة” أن السور امتد على طول 2.5 كيلومتر بارتفاع ناهز أربعة أمتار، وتوزعت أضلاعه بدقة هندسية: الضلع الغربي (579 مترًا)، الشمالي (175 مترًا)، الشرقي (604 أمتار)، الجنوبي الشرقي (315 متراً)، والجنوبي (810 أمتار)، وظل صامداً حتى تهالكه وإزالته عام 1366هـ.

بوابات جدة: شرايين الحياة المفتوحة على العالم

كانت بوابات السور تفتح فجراً وتغلق عشاءً، مشكلةً نقاط تفتيش وعبور بالغة الأهمية. وتوزعت البوابات الثماني التاريخية على النحو التالي:

  1. البوابات الشمالية والشرقية والجنوبية:

  • باب المدينة: يقع في حارة الشام (شارع الملك عبدالعزيز الدائري حاليًا). كان المعبر الرئيسي للمسافرين من وإلى المدينة المنورة، والمنفذ للوصول إلى ثكنة “القشلة” العسكرية. فضلاً عن استخدامه لمرور عربات المواد الإنشائية كالحجر والطين.
  • باب جديد: بني في مطلع العهد السعودي (أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات الميلادية) بعد دخول السيارات. ويتميز بمساره المزدوج الذي سهل الحركة المرورية شرق بوابة المدينة.
  • باب مكة: البوابة الشرقية لجدة الواقعة أمام سوق البدو، والتي كانت تنفذ إلى أسواق الحراج والحلقات الخارجية. وكانت معبرًا للجنائز المتجهة لمقبرة الأسد.
  • باب شريف: البوابة الجنوبية للمدينة أمام برحة العقيلي. وكان يمثل المقصد الاقتصادي للأهالي للخروج والتبضع من حراج العصر.
  1. البوابات الغربية (البحرية):

  • باب النافعة: يقع جنوب مركز المحمل التجاري حاليًا، وكان الممر الرئيس للعاملين في البحر من سكان حارتي اليمن والبحر.
  • باب الصبّة (باب البنط): ثاني البوابات الغربية ويقع عند مدخل شارع قابل. سمي بالصبّة لأن الحبوب المستوردة كانت تصب عنده لتنقيتها ووزنها بواسطة “القباني” قبل نقلها للمستودعات. واكتسب أهمية كبرى لوجود الدوائر الحكومية حوله.
  • باب المغاربة: يقع حاليًا عند عمارة الجفالي على شارع الملك عبدالعزيز، وكان المخرج والممر الوحيد للحجاج القادمين بحرًا للتوجه إلى الحرمين الشريفين.
  • باب صريف: البوابة الغربية الرابعة ويقع بين مبنى فندق البحر الأحمر وعمارة الفيصلية حاليًا، وهو باب فرعي غامض التسمية.

العمارة الجداوية: هندسة الطين والرواشين

لم تكن بيوت جدة التاريخية مجرد جدران لصد الرياح، بل كانت تحفًا معمارية متناسقة بنيت بذكاء بيئي لافت. استخدم البناء الجداوي الحجر المنقى (المنقبي) والطين المستخرج من بحر الطين لتثبيته. مدعومًا بالأخشاب المحلية والمستوردة من الهند عبر الميناء.

وتجلت العبقرية الهندسية في مواجهة رطوبة البحر وحرارة الطقس من خلال:

  • الملاقف: قنوات تهوية علوية وزعت في كل الغرف لجلب الهواء العليل.
  • الرواشين الخشبية الضخمة: واجهات خشبية بارزة ومزخرفة تغطي مساحات واسعة لتسمح بتحريك الهواء وتلطيف الحرارة بفضل الظلال التي تلقيها على الجدران.
  • التلاصق والواجهات المتكسرة: بنيت المنازل متجاورة بشكل وثيق لتلقي بظلالها على بعضها البعض، ما يقلل من تعرض الجدران المباشر لأشعة الشمس الحارقة طوال اليوم.

 

الرابط المختصر :