قد يبدو الرد على الإطراء أمرًا بسيطًا، فكل ما يحتاج إليه الشخص هو قول «شكرًا»، لكن تقبّل كلمات الثناء قد يكون أصعب مما يبدو، خاصة عندما لا يصدق الإنسان الصفات الإيجابية التي يراها الآخرون فيه.
وقد ترتبط هذه الصعوبة بعوامل مختلفة، مثل تدني تقدير الذات، أو التجارب النفسية المؤلمة، أو الاكتئاب. أو طبيعة التجارب التي عاشها الفرد خلال طفولته، سواء افتقر فيها إلى التشجيع أم تلقّى قدرًا مبالغًا فيه من الإطراء.
ورغم تعدد الأسباب المحتملة، يمكن البدء بخطوات عملية تساعد على التعامل مع المجاملات بصورة أكثر انفتاحًا. وفهم الطريقة التي يرى بها الآخرون صفاتنا، بدلًا من رفض كلماتهم تلقائيًا أو التقليل من قيمتها.
أولًا: تقبّل اختلاف وجهات النظر
عندما يمدحك شخص ما، فهو يعبّر عن انطباعه الخاص، وليس بالضرورة عن حقيقة مطلقة يتفق عليها الجميع. فعندما يصفك أحدهم بأنك طويل القامة أو ذكي أو مرح، فإنه يتحدث انطلاقًا من معاييره وتجربته الشخصية، ولا يدّعي أن جميع الناس سيشاطرونه الرأي.

ومن الأخطاء الشائعة تفسير الإطراء على أنه مبالغة أو محاولة للمجاملة، ثم الإسراع إلى نفيه أو التقليل من شأنه. لكن اختلاف نظرتك إلى نفسك عن نظرة الآخرين إليك لا يعني بالضرورة أن أحدكما مخطئ؛ فقد تلاحظ في نفسك عيوبًا أو جوانب لا ينتبه إليها الآخرون، بينما يرون هم صفات إيجابية اعتدتَ أنت تجاهلها.
لذلك، من المفيد الإصغاء إلى الإطراء قبل رفضه، والتفكير في الصفة التي لاحظها الشخص الآخر. فبعض الجوانب، مثل الذكاء وخفة الظل وطريقة التعامل مع الآخرين. يمكن أن تظهر في مواقف يومية يلاحظها المحيطون بك، حتى إن لم تكن تراها بوضوح في نفسك.
ثانيًا: تحقّق من انطباعك بدلًا من التشكيك فيه
إذا وجدت صعوبة في تصديق إطراء معين، فلا يعني ذلك أن عليك قبوله دون تفكير، بل يمكنك النظر إليه بموضوعية وطلب رأي شخص آخر تثق به. فقد يساعدك الاستماع إلى وجهات نظر متعددة على تكوين صورة أكثر توازنًا عن نفسك.

وعندما تتكرر الملاحظات الإيجابية نفسها من أشخاص مختلفين، يجدر بك التوقف والتفكير في احتمال أن تكون هذه الصفات موجودة بالفعل. حتى إن كنت لا تلاحظها أو لا تمنحها الأهمية الكافية. فالإصرار على رفض كل إطراء، رغم تكراره، قد يشير إلى وجود نظرة سلبية راسخة تجاه الذات، لا إلى عدم صدق الآخرين بالضرورة.
ولا يتعلق الأمر بجمع آراء الناس للحصول على موافقتهم. بل بمنح نفسك فرصة لرؤية جوانب قد لا تنتبه إليها بسبب اعتيادك على التركيز على نقاط ضعفك.
ثالثًا: كن صادقًا في تعاملك مع الآخرين
قد ترتبط صعوبة تقبّل الإطراء أحيانًا بطريقة تعامل الشخص مع مشاعر الآخرين وآرائهم. فالأشخاص الذين يخفون آراءهم الحقيقية باستمرار، أو يتجنبون التعبير عما يشعرون به خوفًا من إزعاج الآخرين. قد يجدون صعوبة في الوثوق بكلمات الثناء التي يتلقونها بدورهم.

فعندما لا يكون الإنسان صريحًا في علاقاته، قد يفترض أن الآخرين يتصرفون بالطريقة نفسها. فيشكك في نواياهم حتى عندما يعبّرون عن تقدير حقيقي له.
لذلك، تساعد الصراحة المتوازنة في بناء علاقات أكثر ثقة، بدءً من المواقف اليومية البسيطة، مثل التعبير بصدق عن الحالة النفسية أو تقديم رأي واضح ومحترم عند سؤالك عنه. وكلما أصبحت أكثر ارتياحًا للتعبير عن مشاعرك الحقيقية، زادت فرصتك في التعامل مع كلمات الآخرين بثقة أكبر، دون افتراض أنها مجرد مجاملة أو مبالغة.
تقبّل الإطراء خطوة نحو علاقات أكثر قربًا
لا يتطلب تعلّم تقبّل الإطراء تغيير نظرتك إلى نفسك بين ليلة وضحاها، بل يبدأ بالتوقف عن رفض الكلمات الإيجابية بصورة تلقائية. والتفكير في معناها، والانفتاح على وجهات نظر الآخرين، مع الحفاظ على قدرتك على التمييز بين الثناء الصادق والمجاملة غير الصادقة.

إن قبول الإطراء لا يعني أن عليك اعتبار نفسك مثاليًا أو الاتفاق مع كل ما يقوله الآخرون. وإنما أن تمنح كلماتهم فرصة لتسمع وتفهم قبل الحكم عليها. فالثقة المتبادلة عنصر أساسي في العلاقات الإنسانية، ويصعب التقرب من الآخرين عندما نشك باستمرار في صدق ما يقولونه. وأحيانًا، يكون قول «شكرًا» ببساطة بداية صغيرة لتقبّل الذات وبناء علاقات أكثر صدقًا وعمقًا.















