تحولت خدمة توصيل الطعام “الدليفري” في الآونة الأخيرة من ميزة استثنائية للحالات الطارئة إلى “نمط حياة” يغزو البيوت العربية. ليصبح هذا السلوك ثقافة استهلاكية تتجاوز مجرد توفير الوقت والجهد. لتصل إلى حد الإدمان الذي يهدد الاستقرار المادي والعاطفي للأسرة. وبينما تراه بعض الزوجات طوق نجاة من عناء المطبخ، يراه خبراء الاجتماع والزوجات المتضررات خطرًا داهمًا يستنزف الرواتب ويفكك الروابط العائلية.
المطبخ المهجور.. صراع بين الراحة والواجب
تشير الوقائع إلى أن الكثير من الزوجات، وخاصة العاملات، بتن يفضلن خيار “الدليفري” هرباً من ضغوط العمل ورعاية الأطفال. ويؤكد “صابر نجدي” (مهندس) أن هذا الاعتماد المفرط أصبح منغص حقيقي في حياته الزوجية؛ فبعد أن كان المطبخ مكان للتفنن في بداية الزواج، تحول بمرور الوقت إلى ركن مهجور، مما أشعل الخلافات نتيجة افتقاد “اللمسة المنزلية” في الطعام.
ولا يقتصر الأمر على الزوجات العاملات، فالحالة تمتد لربات البيوت أيضًا. “محمد الصفتي” (محاسب) يروي أن زوجته تعتمد الدليفري بذريعة حب الأبناء لهذه الوجبات، ولم تتراجع عن هذه العادة إلا بعد مواجهتها بالحقائق الطبية حول مخاطر الوجبات السريعة على صحة الصغار والكبار.
الوجه الآخر للعملة: أزواج في فخ “إدمان المطاعم”
على الجانب الآخر، تبرز ظاهرة لا تقل خطورة، وهي “الزوج المدمن على وجبات المطاعم”. فهناك شريحة من الأزواج يرفضون الطعام المنزلي تماماً، ويفضلون النكهات الاصطناعية والمواد الحافظة التي توفرها المطاعم العالمية والمحلية. هذا السلوك يضع الزوجة في حيرة وإحباط؛ فمهما بذلت من جهد في إعداد أصناف صحية وشهية، تجد صدوداً من الزوج الذي يفضل “ساندوتش” سريعاً أو وجبة مشبعة بالدهون من الخارج.
هذا النوع من الإدمان لدى الرجال يسبب شرخ في ميزانية الأسرة، حيث تُهدر الأموال على وجبات فردية باهظة الثمن، فضلاً عن الرسائل السلبية التي تصل للزوجة بأن جهدها في المطبخ “غير مقدر”، مما يؤدي إلى فتور في العلاقة الزوجية وفقدان لطقوس الاجتماع على مائدة واحدة.
تحذيرات الخبراء: أضرار صحية واجتماعية
تؤكد الدكتورة “سلمى عبد المقصود” المستشارة في شؤون الأسرة، أن “الدليفري” أصبح ثقافة استهلاكية تشمل حتى السلع والخدمات البسيطة، محذرة من أضراره المتعددة:
- الخطر الصحي: الوجبات الجاهزة مشبعة بالدهون غير الصحية والمواد التي تسبب أمراض السمنة والقلب.
- زعزعة الاستقرار: الرجل الشرقي بطبعه يقدر المرأة التي تعتني ببيتها ومطبخها، وافتقاد هذه المهارة يضعف صورة “ربة البيت” في نظره.
- غياب القدوة: إدمان الوجبات الجاهزة يحرم الأبناء، خاصة البنات، من تعلم مهارات إدارة المنزل، مما يخرج جيلاً يفتقر لأساسيات بناء أسرة مستقبلاً.

نحو توازن أسري ومادي
إن المسؤولية الصحية والتربوية والمادية تجاه الأسرة تقتضي وقفة جادة أمام “غول الدليفري”. فالاستقرار المادي يبدأ من حسن إدارة النفقات، والطعام المنزلي يظل هو الحصن المنيع لصحة الأبناء والزوج.
يجب على الطرفين (الزوج والزوجة) إدراك أن مائدة الطعام هي “برلمان الأسرة” الصغير؛ واختفاؤها لصالح الأكياس البلاستيكية وعلب الكرتون هو بداية لتفكك الروابط الوجدانية. لا مانع من “الدليفري” كاستثناء، ولكن دون أن يتحول إلى إدمان يحرق الميزانية ويهدد القلوب.

















