الميثومانيا.. حين يغدو الكذب القهري درعًا لحماية الذات المكسورة

الميثومانيا.. حين يغدو الكذب القهري درعًا لحماية الذات المكسورة
الميثومانيا.. حين يغدو الكذب القهري درعًا لحماية الذات المكسورة

في الوقت الذي تتقبل فيه المجتمعات الكذب المزاح كجزء من طقوس الفكاهة في مواسم معينة، تتخذ الأكاذيب في حياة البعض منحى آخر بالغ التعقيد. فخلف بعض السلوكيات المثيرة للريبة يكمن اضطراب نفسي عميق يعرف بـ “الميثومانيا” أو هوس الكذب المرضي. وهو حالة قهرية يندفع فيها الإنسان نحو اختلاق القصص والأحداث الخيالية بشكل مبالغ فيه دون وجود أي مصلحة مادية أو مبرر واقعي يدعو لذلك.

جذور الظاهرة وطبيعتها السيكولوجية

وقد ظهر هذا المفهوم في الأدبيات الطبية لأول مرة على يد الطبيب النفسي الألماني أنتون ديلبروك في نهاية القرن التاسع عشر. ويختلف الكذب الهوسي جذريًا عن الكذب العادي الذي يهدف إلى جلب منفعة أو درء أذى؛ إذ يمارس الميثوماني كذبه كعادة قهرية يعجز عن الإقلاع عنها. وغالبًا ما تدور هذه القصص حول شخصه، فيسعى لاختلاق بطولات وهمية وإنجازات خارقة تمجد نفوذه وعلاقاته. أو يتقمص بالمقابل دور الضحية المظلومة لاستجداء العطف ولفت الانتباه. والأمر الأكثر خطورة هو أن الميثوماني قد يندمج كليًا في أكاذيبه ليصدقها مع مرور الوقت. لتعيش تفاصيلها روحه رغم إدراكه الباطني لحقيقتها.

منبع الاضطراب.. صراعات الطفولة وضغوط المراهقة

تشير الدراسات إلى أن هذه المعاناة تبدأ غالبًا في مرحلة مبكرة، وتحديدًا في حدود سن السادسة عشرة، لتصيب نسبة ملحوظة من المراهقين. وتتعدد أسباب الإصابة لتتذيلها عوامل نفسية وتشوهات شخصية. مثل النرجسية، والاضطراب الحدي، وضعف الثقة بالنفس. فضلاً عن تدني تقدير الذات الناتج عن تجارب قاسية كالرفض الاجتماعي. أو الإهمال العاطفي. أو التعرض لصدمات وعنف مبكر. ومن هنا، لا تعد الميثومانيا مجرد سقطة أخلاقية. بل هي صراع داخلي مرير وآلية دفاعية لا شعورية يسعى من خلالها الفرد لترميم ذاته المكسورة وتجميل صورته المهتزة أمام نفسه والآخرين.

مسارات التعافي والعلاج السلوكي

إزاء هذا الانفصال عن الواقع الذي يتسم به الخيال المفرط للمصاب. يصبح التدخل العلاجي أمرًا حتميًا. ويبرز “العلاج السلوكي المعرفي” كأداة رئيسية وفعالة لتعديل الأنماط الفكرية الخاطئة. وتحديد الدوافع العميقة الكامنة وراء السلوك الكاذب، وتعزيز الثقة الحقيقية بالنفس. كما قد يستدعي الأمر الاستعانة ببعض العقاقير الطبية لمعالجة الاضطرابات المصاحبة كالقلق والاكتئاب.

إن تفهم الميثومانيا كاضطراب نفسي يستوجب التعامل مع المصابين بتعاطف ووعي كافٍ. وتشجيعهم على استشارة المختصين للوصول إلى التصالح الداخلي والتخلص من قيود الأكاذيب الوهمية.

الرابط المختصر :