بعد أن اختفى من البرية في سبعينيات القرن الماضي، بدا أن المها العربي، أحد أبرز رموز الصحراء العربية، يسير نحو مصير الانقراض. لكن رحلة استمرت لأكثر من أربعة عقود، شاركت فيها جهود دولية وبرامج وطنية متخصصة، نجحت في تحويل قصة هذا الحيوان من واحدة من أكثر قصص التراجع خطورة إلى تجربة بارزة في إنقاذ الأنواع وإعادتها إلى موائلها الطبيعية.
واليوم، لا تقتصر قصة المها العربي على زيادة أعداده فحسب، بل أصبحت نموذجًا لكيفية انتقال جهود المحافظة على الحياة الفطرية من عمليات إنقاذ محدودة إلى منظومة متكاملة تشمل الإكثار. والإدارة الوراثية، وحماية الموائل، وإعادة التوطين، والرصد طويل المدى.
من الانقراض في البرية إلى التعافي
كان الصيد الجائر أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اختفاء المها العربي من البرية خلال سبعينيات القرن الماضي. ومع تراجع أعداده إلى مستويات حرجة، بدأت في ستينيات القرن الماضي جهود دولية لإنقاذ ما تبقى من النوع من خلال ما عرف باسم «عملية المها». التي هدفت إلى إنشاء قطعان للتكاثر والمحافظة على التنوع الوراثي للنوع.
وشاركت المملكة العربية السعودية في هذه الجهود المبكرة، قبل أن تطور لاحقًا برنامجًا وطنيًا متكاملًا لاستعادة المها العربي. وفي عام 1986 بدأت مرحلة منظمة لإكثار المها لأغراض المحافظة. لتتبعها بعد ذلك خطوة أكثر أهمية، وهي إعادة الحيوان إلى البرية.

وفي عام 1989 بدأت أولى عمليات إعادة التوطين في محمية الإمام سعود بن عبدالعزيز الملكية، المعروفة سابقًا بمحازة الصيد. قبل أن تتوسع عمليات الإطلاق لاحقًا لتشمل محمية عروق بني معارض وغيرها من المواقع الواقعة ضمن نطاق الانتشار التاريخي للمها العربي.
2011.. محطة فارقة في تاريخ المحافظة على الأنواع
شكّل عام 2011 نقطة تحول عالمية في قصة المها العربي، عندما تحسن وضعه على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة من مهدد بالانقراض إلى معرض للخطر.
وكان هذا التحسن ذا دلالة خاصة، إذ سبق أن صنّف المها العربي على أنه منقرض في البرية. ليصبح أول نوع يحقق هذا التحسن الكبير في التصنيف بعد برامج الإكثار والحماية وإعادة التوطين.
ولم تكن عودة المها إلى البرية نتيجة عملية إطلاق واحدة، بل جاءت ثمرة عمل طويل بدأ بالحفاظ على الأفراد المتبقية. ثم تطوير برامج الإكثار، واختيار الحيوانات المناسبة، وتأهيل الموائل الطبيعية، ومتابعة القطعان بعد إطلاقها.
أكثر من 3 آلاف مها في البرية
تشير البيانات المعلنة لعام 2026 إلى وجود نحو 3064 فردًا من المها العربي في 11 موقعًا بريًا داخل المملكة العربية السعودية، مع استمرار نمو أعداد القطعان. وتعكس هذه الأرقام تحولًا كبيرًا مقارنة بالوضع الذي كان عليه النوع قبل عقود، عندما اختفى تمامًا من موائله الطبيعية.

غير أن أهمية النجاح لا تقاس بالأعداد وحدها، فبقاء النوع على المدى الطويل يعتمد أيضًا على وجود جماعات برية قادرة على التكاثر والاستمرار. وعلى الحفاظ على التنوع الوراثي الذي يمنحها قدرة أفضل على التكيف مع التغيرات البيئية والأخطار المستقبلية.
ولهذا أصبحت الإدارة الوراثية أحد العناصر المهمة في برامج المحافظة على المها العربي، إلى جانب الرعاية البيطرية والتغذية والتأهيل قبل الإطلاق.
إعادة التوطين.. رحلة تبدأ قبل إطلاق الحيوان
تعتمد تجربة استعادة المها العربي على منهج علمي لا يبدأ عند فتح بوابة الإطلاق، بل قبل ذلك بوقت طويل.
فكل عملية إعادة توطين تتطلب دراسة مدى ملاءمة الموقع للحيوان، وحالة الموائل الطبيعية، وقدرتها الاستيعابية، ومستوى الحماية المتوفر، والإمكانات اللازمة لمتابعة القطيع بعد إطلاقه.
كما يتم اختيار الحيوانات المؤسسة للقطعان الجديدة وفق اعتبارات صحية ووراثية وسلوكية، بهدف رفع فرص نجاحها في التكيف والتكاثر.
وبعد الإطلاق، تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية، وهي الرصد المستمر لتحركات الحيوانات وحالتها الصحية ونجاحها في التكيف والتكاثر. مع إمكانية اكتشاف المخاطر والتدخل في الوقت المناسب.
وبهذا المعنى، تحولت إعادة التوطين من مجرد نقل حيوانات من مراكز الإكثار إلى الطبيعة. إلى عملية متكاملة لإعادة بناء جماعات برية قابلة للاستمرار.

مراكز الإكثار.. البداية نحو العودة إلى الطبيعة
تلعب مراكز الإكثار المتخصصة دورًا أساسيًا في استعادة الأنواع المهددة بالانقراض داخل المملكة. وتبدأ رحلة الحيوان في هذه المراكز من الإدارة الوراثية والرعاية البيطرية والتغذية المناسبة، مرورًا بعمليات التأهيل. وصولًا إلى مرحلة الإطلاق في المحميات الطبيعية والمتنزهات الوطنية.
ومن بين المراكز التي ساهمت في برامج المحافظة على الحياة الفطرية مركز الملك خالد لأبحاث الحياة الفطرية بالثمامة في منطقة الرياض. الذي يعمل على برامج لإكثار عدد من الأنواع المحلية، من بينها المها العربي.
كما شملت برامج الإكثار وإعادة التوطين مجموعة واسعة من الأنواع الأخرى، مثل ظباء الريم والإدمي والوعل الجبلي والنعام أحمر الرقبة والحبارى. ضمن جهود تهدف إلى استعادة التنوع الأحيائي وإعادة تأهيل النظم البيئية.
وأسهمت هذه البرامج في إعادة آلاف الكائنات الفطرية إلى بيئاتها الطبيعية. مع استخدام تقنيات حديثة لمتابعة الحيوانات ورصد نجاحها في التكيف والتكاثر في البرية.
عودة إلى موطن لم يعرفه منذ قرن
ومن أبرز محطات هذه الجهود عودة المها العربي إلى محمية نيوم، في حدث يحمل دلالة رمزية وبيئية خاصة. إذ لم يشاهد الحيوان في المنطقة منذ قرابة قرن.

وشملت المرحلة الأولى من برنامج إعادة توطين الكائنات الفطرية في المنطقة إطلاق عدة أنواع. من بينها المها العربي والوعل والغزال الرملي والغزال الجبلي.
وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود أوسع لإعادة الحياة الفطرية إلى مناطقها التاريخية. وإعادة بناء النظم البيئية التي فقدت بعض أنواعها على مدى عقود. وتؤكد هذه التجارب أن استعادة الأنواع لا تعني فقط زيادة أعداد الحيوانات، بل تتعلق أيضًا بإعادة العلاقة الطبيعية بين الكائنات وموائلها.
المها العربي.. أكثر من مجرد حيوان صحراوي
يحظى المها العربي بمكانة ثقافية خاصة في شبه الجزيرة العربية، إذ ارتبط عبر التاريخ بالصحراء وبالبيئة العربية. وأصبح رمزًا وطنيًا وثقافيًا في عدد من دول المنطقة.
لكن أهميته لا تقتصر على هذه الرمزية، فالمها يؤدي دورًا داخل النظم البيئية الصحراوية من خلال مساهمته في نشر البذور والتأثير في الغطاء النباتي، ما يجعل وجوده جزءًا من التوازن الطبيعي للبيئة الصحراوية.
ومن هنا، فإن استعادة المها العربي تمثل جزءً من مشروع أوسع للحفاظ على التنوع الأحيائي، وحماية الموائل الطبيعية. وإعادة بناء النظم البيئية التي تأثرت بالصيد الجائر وتراجع أعداد الحيوانات البرية خلال العقود الماضية.

من إنقاذ نوع إلى بناء منظومة متكاملة
تزامن توسع جهود المحافظة على الحياة الفطرية في المملكة مع تطوير منظومة أوسع لحماية البيئة. شملت التوسع في المناطق المحمية، وتطوير الأنظمة واللوائح البيئية، وتعزيز عمليات الرصد وإنفاذ القوانين.
كما ساهمت برامج الإكثار في توفير أفراد لتأسيس جماعات جديدة، بينما وفرت المناطق المحمية موائل أكثر ملاءمة. وساعدت عمليات إعادة التوطين التدريجية على توسيع نطاق انتشار الأنواع.
وفي الوقت نفسه، أصبح الرصد المستمر مصدرًا مهمًا للبيانات التي تساعد المختصين على فهم تحركات الحيوانات وحالة الجماعات البرية والمخاطر التي قد تواجهها.
وهكذا تحولت قصة المها العربي من سلسلة عمليات إطلاق متفرقة إلى نموذج متكامل يجمع بين العلم والإدارة والحماية والإكثار وإعادة التوطين والرصد طويل المدى.
وعلى مدى أربعة عقود، لم تكن النتيجة مجرد ارتفاع في أعداد المها، بل بناء خبرات وطنية في مجالات الإكثار لأغراض المحافظة، وإدارة المناطق المحمية، والرعاية البيطرية، والبحوث التطبيقية، والرصد الميداني.
















