القطـار.. أهميته يؤكدها تاريخه

المكانة الحيوية لـ”القطار”

يحتل القطار مكانة حيوية مهمة في تعزيز جهود ربط أرجاء البلاد الشاسعة المساحات. وفي تقريب المسافات بين المناطق المتباعدة وبين المدن وفي تحريكه عجلة النقل والاقتصاد فيها حتى أصبح لا يمكن أن نتخيل تقدمًا صناعيًا وازدهارًا اقتصاديًا لولا وسيلة النقل هذه. والقطار هو أكثر من ذلك، فتاريخه يؤكد أن أهميته أكبر من تحصر في الجانب الاقتصادي.

ويحتل القطار مكانة خاصة في وجدان كل من سافر على متنه، فالم القطار الجميل يتسع لما لا يمكن لا البيت ولا لأية وسيلة سفر أخرى أن تتسع له إنه أشبه ببيت متحرك: إقامة، استرخاء، تناول الطعام، التأمل عبر نوافذه العريضة، والذين يشاركون المسافر فيه ليسوا بالضرورة أقرباء ولا معارف، ولهذا يتحول القطار إلى بيئة للاكتشاف والتعارف وللاحتكاك بأناس والتفاعل مع غرباء وقضايا غير متوقعة، خاصة أثناء السفر لأوقات طويلة أو خلال قطع المسافات طويلة، فهو بوتقة تمتزج فيها الآداب وتتقارب الثقافات.

نشأة السكك الحديدية

إنجلترا هي الأب الشرعي لبناء وتطوير السكك الحديدية في العالم، ففي عام 1814 بنى جورج ستيفنسون قاطرته البخارية الأولى. وبدأت في نفس العام أول تجربة للنقل على سكك الحديد في مقاطعة ويلز البريطانية.

وتمكنت القاطرة من جر عربات مشحونة بسرعة خمس أميال في الساعة (نحو 8 كلم / ساعة). وفي عام 1825 نجح ستيفنسون في استصدار مرسوم بإنشاء أول خط سكك حديد في العالم بين ستوكتون و دارلنجتون في إنجلترا بطول 38 ميلًا (61 كلم). ووزن القطار 80 طنًا، وكان نجاح المشروع حافزًا لإنشاء خط آخر لنقل الركاب بين ليفربول ومانشستر عام 1830 . ثم انتشر النقل بسكك الحديد بسرعة مذهلة حتى بلغت في عام 1836 طول 1000 ميل (1609 كلم)في انجلترا وحدها. أما في باقي أنحاء العالم فبلغت 11500 ميل وفي الولايات المتحدة استخدمت القطارات البخارية على سبيل التجربة عام1825. وكان افتتاح أول خط فعلي في أمريكا عام 1830 وفي آسيا عام 1852، وفي أستراليا عام 1854، وفي مصر 1854.

تطور القطارات والعربات

مع بداية القرن العشرين تطورت سكك الحديد تطورًا كبيرًا من حيث البنية التحتية، فقد أُنشئت الخطوط المزدوجة وتحسنت العناصر الهندسية لتخطيط السكك وقاطرات الجر والعربات التي صُنعت من الحديد بدلًا من الخشب وكانت أقصى سرعة للقطارات في عام 1905 هي 144 كلم/ ساعة، ثم بدأ استخدام قطارات الديزل أول مرة في أمريكا عام 1925 أما قطارات الديزل المزودة بمحركات كهربائية فبدأ استخدامها عام 1934.

مميزات سكة الحديد

من أبزر مميزاته النقل اليسير والانتقال السهل والأرخص، والأسرع والأكثر أمانًا والأنسب لنقل الحمولات الكبيرة والثقيلة لمسافات بعيدة. ويعتبر إلى جانب هذا:

النقل الأرخص ثمنًا

من وسائل النقل الأخرى ومعظم الإنفاق في القطارات هو في طبيعة النفقات الثابتة، وكل زيادة في حركة النقل بالقطارات يقابلها انخفاض في معدل التكلفة، والنقل بالقطار اقتصادي من حيث استخدام العمالة في تشغيله، فسائق واحد وحارس واحد يكفيان لنقل كميات كبيرة من البضائع، وقدرة القطارات على نقل الحمولات الثقيلة كبيرة للغاية، وسعته مرنة جدًا حسب الحاجة.

النقل الأكثر أمانًا

تشير الإحصاءات العالمية إلى أن احتمالات الحوادث بالقياس إلى عدد الركاب أقرب بكثير من الاحتمالات في النقل الجوي وحتى البحري، وسكة الحديد لا تتأثر بعوامل المناخ كالشمس والمطر والثلج بسوء الأحوال الجوية كالرياح والعواصف، أو انقطاع التيار الكهربائي.

النقل الأوسع

قدرة القطارات على نقل الحمولات الثقيلة كبيرة للغاية، وسعة القطار مرنة جدًا، إذ يكفي لزيادة الحمولة أو تقليصها التحكم في عدد المقطورات التي تجرها القاطرة.

الفوائد الاجتماعية

إن إنشاء ومد سكة الحديد وخطوطها وتشغيل القطارات هو من المشاريع الضخمة. والقطار يؤدي عديدًا من الخدمات العامة للسكان، فحمولة القطار الكبيرة تجعله في مصلحة الفقراء من عامة الناس. وهو بالتالي يمثل حاجة أكيدة وضرورة وطنية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

الفوائد الإدارية

يكثر استخدام الموظفين الرسميين والإداريين والفنيين وموظفي المؤسسات الخاصة في البلدان المتقدمة. حيث خطوط سكة الحديد المتطورة، وهذا يسهل تنقلاتهم وحركتهم في أنحاء البلاد في إطار المهنة. ومن أجل أداء العمل، وتقديم الخدمات المطلوبة منهم، والقيام بالمهام التي يسعون إليها.

التوظيف والتشغيل

توفر خطوط سكة الحديد فرص عمل كثيرة من الإداريين والموظفين بالمحطات والعمال والفنيين المهرة. وفي معظم بلاد العالم يعد مجال النقل بسكة الحديد مصدر رزق مطمئن ومهم.

من سكة الحجاز إلى قطار الحرمين

انطلقت فكرة إنشاء سكة الحديد في المملكة في سنوات الأربعينيات من القرن الماضي عندما برزت الحاجة إلى إنشاء ميناء تجاري على ساحل الخليج لنقل البضائع المستوردة إلى مستودعات شركة الزيت العربية الأمريكية، أرامكو. وتضمنت الفكرة إنشاء خط لسكة الحديد من الدمام إلى الرياض. وميناء تجاري كبير لاستقبال السفن الضخمة التي تنقل مستلزمات أعمال صناعة النفط ومعداتها.

بدأ تنفيذ المشروع في 21 أكتوبر 1947 وجرى افتتاحه في 20 أكتوبر 1951 في احتفال رسمي حضره جلالة الملك عبدالعزيز وولي العهد آنذاك الأمير سعود بن عبدالعزيز يرحمهما الله. وظلت سكة الحديد تعمل حتى أُلحقت بوزارة المالية في عام 1966 وسميت وقتها مصلحة السكة الحديد.

شبكة سكة الحديد تتوسع

يبلغ إجمالي طول شبكة الخطوط الحديدية في المملكة 5330 كلم. تنقل 3 ملايين مسافر سنويًا. بالإضافة إلى المواد الخام والمواد التعدينية ومواد التصدير والاستيراد من الميناء الجاف بالرياض والموانئ الصناعة الأخرى. ويتوقع أن ينمو عدد الركاب وحركة الشحن بعد بدء الرحلات لمشاريع التوسعة القائمة والمخطط لها بعد ارتفاع عدد الحاويات المتداولة على الجسر البري إلى ما يزيد عن 700 ألف حاوية.

قطار الحرمين فائق السرعة

تم تدشين قطار الحرمين السريع رسميًا بين مكة المكرمة والمدينة المنورة في شهر يونيو 2018 ويقطع المسافة بين المدينتين في ظرف ساعتين ونصف بسرعة 300 كلم /ساعة. وقدّرت التوقعات أن ينقل 11 مليون راكب بعد وصله بجدة ومدينة عبدالله الاقتصادية والرياض. ويزيد طول الخط عن 450 كلم. وكانت الشركة السعودية للخطوط الحديدية “سار” قد أعلنت في شهر مارس من عام 2017 عن انتهاء وضع التصاميم لمشروع إنشاء خط حديدي يصل العاصمة الرياض بمدينة جدة على طول 900 كلم. يقطعها في ظرف 4 ساعات.

القطار على سكة السينما

لم يغفل الفن السنيمائي القطار لما فيه من عناصر التشويق والتقاء أنماط من الناس الغرباء لمدة طويلة ولمسافات بعيدة كافية لحدوث تفاعلات إنسانية ذات أبعاد درامية وفكاهية. وأخرى مأساوية، وثالثة حوادث كارثية.. مثل “قتل في قطار نصف الليل السريع” للكاتبة  أجاثا كريستي  و“سكة الحديد المفقودة” لجيليان أفيري.

وفيلم  “الرعب في قطار الشرق”، و الفيلم التلفزيوني”سرقة القطار الكبرى” يروي قصة سطو تاريخي على البريد الملكي البريطاني. وفي المصرية كان فيلم “باب الحديد” إنتاج 1958 الذي تدور أحداثه كلها في محطة القطار تم ترشيحه لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم غير أمريكي. وفي السينما الهندية قائمة لا تنتهي من الأفلام التي يحتل فيها القطار عنوانها مثل“مومباي أكسبرس”وأيضًا فيلم “شيناي أكسبرس”.

قطارات الأنفاق

هو نظام نقل سريع يعتمد على الكهرباء، ويعمل في المدن الكبرى وضواحيها. وتكون معظم مساراته تحت الأرض في شكل أنفاق جيدة التهوية. وأحيانًا يمر خط سكة القطار في أنفاق تحت سطح الأنهار ومياه البحر بأعماق مختلفة كما هو قطار أنفاق الجيزة ـ مصر المار أسفل نهر النيل. وأنفاق بحر المانش لرابط بين فرنسا وبريطانيا في الاتجاهين، والخط الرابط بين السويد والدانمارك. وبين جزيرة صقلية وإيطاليا، وبين جزيرة كولون وهونج كونج في بحر الصين الجنوبي.

وعلى مدى قرنين من الزمان لا يزال القطار يتطور ويجوب بقاع الأرض ويغيّر وجه العالم. وكان له فضل السبق في وسائل السفر والنقل السريعة.

يمر القطار بصوت عجلاته المعدنية على السكة، وصوت صفارته القوية التي لم تتغير منذ أن ظهر. حاملًا أناسًا من مختلف المشارب مسافرين لغايات مختلفة، فهو أشبه بحاوية حيث يمكن للعلاقات الإنسانية أن تختمر. وأن تتحول من حال إلى حال، وهذا ما استثمرته الآداب والفنون.

الرابط المختصر :