تتحول المملكة العربية السعودية بسرعة إلى واحدة من أبرز أسواق الجمال والعناية الشخصية في المنطقة. بعدما استحوذت على 56% من إجمالي الإنفاق على منتجات الجمال في دول مجلس التعاون الخليجي خلال 2025 مع مبيعات بلغت نحو 8.1 مليار دولار. وفق بيانات «يورومونيتور إنترناشونال» التي نقلتها مجلة Business of Fashion. وحلت الإمارات في المرتبة الثانية بحصة بلغت 23.6% من الإنفاق الخليجي.
ولا يقتصر المشهد على قوة الإنفاق الحالي، إذ تشير التوقعات إلى نمو سوق الجمال والعناية الشخصية في المملكة بمعدل سنوي مركب يبلغ نحو 8.7% بين 2025 و2030. مدفوعًا بتغير سلوك المستهلكين، وتسارع التجارة الإلكترونية، وتوسع العلامات المحلية والعالمية، إلى جانب تنامي الاهتمام بمنتجات العناية بالبشرة والرفاهية والمنتجات المدعومة بمكونات وادعاءات علمية.
من العطور إلى عالم أوسع
ولطالما ارتبطت صورة سوق الجمال السعودية بالعطور والعود، لكن خريطة الطلب تتغير تدريجيًا. وبحسب Business of Fashion، كانت العطور تمثل في وقت سابق نحو 60% من مبيعات «سيفورا» في السوق السعودية، قبل أن تنخفض حصتها إلى قرابة 40% مع توسع فئات أخرى. وفي المقابل، أصبح المكياج من أسرع الفئات نموًا لدى الشركة في المملكة.
ويتزامن ذلك مع تنامي الطلب على العناية بالبشرة والشعر والمنتجات الديرموكوزمتيكية. إذ تشير «يورومونيتور» إلى ارتفاع اهتمام المستهلكين بالحلول الوقائية والتركيبات المدعومة علميًا. إضافة إلى تأثير المناخ المحلي وارتفاع الوعي بالعناية بالبشرة في دفع الطلب.
العلامات العالمية تلاحق السوق
وأصبحت السوق السعودية وجهة توسع رئيسية، وتشير بيانات «يورومونيتور» إلى أن التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية أصبحت جزءً متزايد الأهمية من رحلة شراء منتجات الجمال، من اكتشاف المنتج عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين إلى شرائه عبر المنصات الإلكترونية، بالتوازي مع توسع نماذج البيع متعددة القنوات.
كما شهد عام 2026 دخول Ulta Beauty إلى السوق السعودية، مع افتتاح متجرها في «رد سي مول» بجدة ضمن خطة توسعها في الشرق الأوسط، بعد إطلاق متاجر في الكويت والإمارات. وتعكس هذه الخطوة حجم الاهتمام الذي أصبحت تستقطبه السوق السعودية من كبار تجار التجزئة المتخصصين في الجمال.
علامات سعودية تنافس على الرف العالمي
وفي المقابل، لا يأتي النمو من الشركات العالمية وحدها، فقد بدأت علامات سعودية في الانتقال من السوق المحلية إلى منصات البيع الإقليمية والعالمية. مستفيدة من تنامي الاهتمام بالجمال المستوحى من الثقافة العربية ومن فهم أكثر دقة لتفضيلات المستهلك المحلي.
ومن أبرز الأمثلة Moonglaze التي أسستها رائدة الأعمال وفنانة المكياج السعودية يارا النملة. وأصبحت في فبراير 2026 أول علامة تجميل سعودية تطلق منتجاتها عبر «سيفورا» في الشرق الأوسط.
ويمثل هذا التوسع جانبًا من تحول أوسع، تتحول فيه العلامة السعودية من مجرد مستفيد من نمو السوق المحلية إلى لاعب يسعى إلى المنافسة خارج الحدود.
المرأة في قلب التحول
ويرتبط صعود قطاع الجمال أيضًا بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفعت مشاركة السعوديات في سوق العمل إلى 36.3% في الربع الأول من 2025، مقارنة بـ17% في 2017. متجاوزة بذلك مستهدفات رؤية السعودية 2030 المتعلقة بالمشاركة الاقتصادية للمرأة.
وفي الوقت نفسه، سجلت ريادة الأعمال النسائية حضورًا متزايدًا. إذ تظهر بيانات المرصد العالمي لريادة الأعمال أن 23.2% من النساء السعوديات يشاركن في نشاط ريادي مبكر. ما يضع المملكة ضمن الاقتصادات ذات المستويات المرتفعة عالميًا في هذا المؤشر.
وتنعكس هذه التحولات في ظهور علامات ناشئة تقودها نساء سعوديات، خصوصًا في مجالات الجمال والأزياء ونمط الحياة.

وتتمتع السوق السعودية أيضًا بقاعدة مستهلكين شابة، ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي عنصرًا أساسيًا في تشكيل توجهات الشراء.
وتشير «يورومونيتور» إلى أن رحلة المستهلك في قطاع الجمال أصبحت أكثر رقمية. مع اعتماد العلامات على المحتوى الاجتماعي والمؤثرين والتجارة الإلكترونية للوصول إلى المستهلكين. بينما باتت المنتجات ذات الادعاءات السريرية والتركيبات العلمية أكثر جذبًا لشريحة متزايدة من المشترين.
ولم يعد المستهلك يبحث عن منتج جميل المظهر فحسب، بل عن تركيبة تناسب بشرته ومناخه واحتياجاته الصحية والجمالية.
المناخ يفرض احتياجاته
وتلعب الظروف المناخية في المملكة دورًا في تشكيل الطلب على منتجات العناية الشخصية. وتشير «يورومونيتور» إلى أن الحرارة المرتفعة والغبار والرطوبة وغيرها من الظروف البيئية تسهم في زيادة الحاجة إلى منتجات العناية بالبشرة والحماية من الشمس.
فيما يدعم ذلك نمو منتجات ديرموكوزمتيكية وحلول تركز على صحة الجلد. وهذا يمنح العلامات المحلية ميزة مهمة؛ إذ تستطيع تطوير منتجات تستجيب لظروف بيئية وتفضيلات ثقافية محددة.
التصنيع المحلي يدخل المنافسة
ولا يتوقف التحول عند الاستهلاك؛ فالسوق السعودية تتحول تدريجيًا إلى مساحة للإنتاج أيضًا. وتشير بيانات «يورومونيتور» إلى توسع قدرات التصنيع والتغليف الخاصة بمنتجات الجمال والعناية الشخصية في المملكة، بدعم من النمو الاقتصادي والصناعي وارتفاع الطلب المحلي. إلى جانب استثمارات في خطوط إنتاج مؤتمتة في مناطق صناعية مثل جدة.
ويعني ذلك أن النمو لا يقتصر على بيع المنتجات المستوردة، وإنما يفتح المجال أمام بناء سلاسل قيمة محلية تشمل التصنيع والتغليف والتوزيع والتصدير.
الجمال يتقاطع مع الرفاهية والصحة
ويشهد القطاع في الوقت نفسه تحولًا في مفهوم الجمال نفسه، فـ«يورومونيتور» ترصد تنامي الطلب على المنتجات الفاخرة، والعناية بالشعر، والعطور. والحلول ذات الطابع الوقائي والعلمي. بينما تتزايد أهمية المنتجات التي تجمع بين الجمال والصحة والرفاهية.
كما تظل العطور جزءً أساسيًا من السوق السعودية، ليس فقط باعتبارها فئة تجارية كبيرة وإنما لارتباطها بالتراث والثقافة والمناسبات الاجتماعية.
سوق واعدة.. وتحديات أكبر
ورغم هذا النمو السريع، يواجه القطاع تحديات، من بينها شدة المنافسة بين العلامات العالمية والمحلية. والحاجة إلى مواصلة تطوير المنتجات، وتحسين سلاسل الإمداد المحلية، وتعزيز البحث والتطوير والابتكار.
كما أن توسع العلامات السعودية خارج المملكة يتطلب الوصول إلى معايير جودة تنافسية. وبناء قدرات تسويقية وتوزيعية قادرة على دعم حضورها في الأسواق الخارجية.
وتكشف المؤشرات الحالية أن سوق الجمال السعودية تجاوزت مرحلة كونها سوقًا استهلاكية كبيرة فحسب. فالنمو المتزامن في الإنفاق، والتجارة الإلكترونية، ودخول العلامات العالمية، وصعود العلامات السعودية. وارتفاع مشاركة المرأة اقتصاديًا ورياديًا، وتوسع التصنيع المحلي، كلها عوامل تدفع القطاع نحو مرحلة أكثر نضجًا.
وبينما تتوقع «يورومونيتور» استمرار النمو خلال السنوات المقبلة، يبدو أن المنافسة في السوق السعودية لن تدور فقط حول من يبيع أكثر. وإنما حول من يستطيع فهم المستهلك السعودي بصورة أفضل. وتحويل هذا الفهم إلى منتجات مبتكرة تحمل هوية محلية وقادرة في الوقت نفسه على الوصول إلى الأسواق العالمية.















