الثابت في مظاهر العلاقات المجتمعية والأسرية تحديدًا أن الخيانة فيما يخص العلاقات الزوجية تتخذ عدة أشكال. وغالبًا ما ينظر إلى الخيانة العاطفية أو الجسدية على أنها الأكثر إيلامًا.
غير أن هناك نوعًا آخر لا يقل قسوة في أثره: الخيانة المالية، ويقصد بها تعمّد أحد الزوجين إخفاء الحقائق أو تقديم معلومات مضللة تتعلق بدخله المادي. أو ديونه، أو ممتلكاته، أو حساباته المصرفية، أو أي جانب من شؤونه المالية. وعند انكشاف هذا السلوك، تنتاب الطرف الآخر خيبة الأمل وإحساس بالغدر. لما تحمله هذه الخيانة من تقويض للثقة، وقد يصل تأثيرها إلى حد تهديد استقرار العلاقة الزوجية أو تدميرها بالكامل.
أكاذيب بشأن ممتلكات مالية
الزوجة آخر من يعلم
في مجتمعاتنا؛ حيث ينظر إلى الزوج في الغالب بوصفه المعيل وصاحب القرار المالي. تكون الزوجات في كثير من الأحيان الأكثر عرضة للتعرّض للخيانة المالية. تحكي إحدى النساء عن الصدمة العميقة التي عاشتها عندما اكتشفت صدفةً ومن خلال حديث عابر مع شقيقة زوجها. أن الأخير حصل على إرث مالي ضخم عقب بيع قطعة أرض كبيرة تعود لعائلة والده. وعندما واجهته بالحقيقة، قوبلت بردّ فعل قاسٍ، إذ وبّخها بعنف وطلب منها عدم التدخل في شؤونه المالية، مبررًا ذلك بتوفيره متطلبات الحياة الأساسية. تقول إنها لم تشعر بالغضب بقدر ما شعرت بالخداع، وأن ثقتها به تزعزعت بشكل لم تستطع تجاوزه.
وتروي امرأة أخرى تجربة مشابهة، إذ تفاجأت باكتشافها أن زوجها يبني منزلًا ثانيًا في مسقط رأسه بإحدى المدن الداخلية من دون علمها. وعندما سألته عن الأمر، أنكر في البداية، قبل أن يعترف لاحقًا، مؤكدًا أن شؤونه المالية ومشاريعه الخاصة ليست محل نقاش. لكنها تؤكد أن أثر تلك الصدمة لا يزال حاضرًا في داخلها، إذ ترك جرحًا نفسيًا عميقًا. وفتح باب الشكوك والهواجس التي بدأت تسيطر على تفكيرها. لتجد نفسها تتساءل عمّا إذا كان يخطط لحياة أخرى بعيدًا عنها.
رغم كامل الأهلية فالشفافية محمودة
من المنظور الشرعي، يتمتع الإنسان بحرية التصرف في أمواله ما دام كامل الأهلية، ويشمل ذلك الزوجين على حد سواء. فالعلاقة الزوجية لا تلغي الاستقلال المالي لكل طرف، ولا تجعل الذمة المالية مشتركة بالضرورة. إذ يحتفظ كل من الزوج والزوجة بحق إدارة شؤونهما المادية، وإظهارها أو إخفائها وفق ما يريان مناسبًا.
غير أن هذا الاستقلال لا يسقط واجب النفقة عن الزوج إذا كان قادرًا عليها، فإذا قصّر في الإنفاق رغم يسره. جاز للزوجة أن تأخذ من ماله بالقدر المعروف لتأمين احتياجاتها واحتياجات أبنائها. استنادًا إلى ما ورد عن النبي ﷺ لهند بنت عتبة حين قال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
ورغم ما يقرّه الشرع من استقلال مالي، تبقى المودة والرحمة والسكينة من المقاصد الأساسية للزواج، وهي قيم لا تتحقق على أرض الواقع دون قدر من الصراحة والمكاشفة والشفافية. ومن هنا، فإن الوضوح في الشؤون المالية يعد خيارًا حكيمًا يسهم في تعزيز الثقة بين الزوجين، ويرسخ استقرار الحياة الزوجية ويحفظ توازنها على المدى البعيد.




















