التنكس البقعي المرتبط بالعمر.. التكيف مع فقدان البصر وحماية الصحة النفسية

لا يقتصر التعايش مع التنكس البقعي المرتبط بالعمر (AMD) على التعامل مع التغيرات التي تطرأ على الرؤية. بل يشمل أيضًا التكيف النفسي مع تشخيص طويل الأمد وما قد يترتب عليه من تغيرات في نمط الحياة والاستقلالية. وقد يمر المصاب بعد التشخيص بمشاعر متعددة، من الحزن والإنكار والغضب إلى القلق أو الاكتئاب، خصوصًا مع ازدياد صعوبة بعض الأنشطة اليومية.

ويشكل الحفاظ على التواصل مع الأسرة والأصدقاء والمحيط الاجتماعي عاملًا مهمًا خلال هذه المرحلة. فالدعم الاجتماعي يمكن أن يخفف الشعور بالعزلة الذي قد يصاحب ضعف البصر، كما يساعد المصاب على الحفاظ على إحساسه بالانتماء والاستقلالية لفترة أطول.

التنكس البقعي والاكتئاب.. ارتباط يحتاج إلى الانتباه

تشير الدراسات إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب لدى الأشخاص المصابين بالتنكس البقعي المرتبط بالعمر مقارنة بعامة السكان. وقد يرتبط ذلك بمجموعة من التغيرات التي ترافق ضعف البصر، مثل فقدان جزء من الاستقلالية، والشعور بتراجع السيطرة على الحياة اليومية. وصعوبة القيادة أو التنقل، إلى جانب الإحراج المرتبط بضعف الرؤية وصعوبة قراءة بعض الإشارات الاجتماعية.

structure of the human eye

وقد لا يكون الاكتئاب واضحًا في البداية، إذ يمكن أن يتطور تدريجيًا ويفسَّر أحيانًا باعتباره مجرد نتيجة طبيعية لفقدان البصر. ومن العلامات التي تستحق الانتباه انخفاض الطاقة والدافعية، وفقدان الاستمتاع بالأنشطة المعتادة، وتغير الشهية، وصعوبة التركيز. والشعور بالخدر أو التبلد العاطفي. كما قد تظهر العصبية أو تغيرات ملحوظة في نمط النوم.

ولا ينبغي التعامل مع هذه الأعراض باعتبارها ضعفًا شخصيًا. فالاكتئاب حالة صحية قابلة للعلاج. ويمكن أن يشمل التعامل معها العلاج النفسي أو الأدوية وفق تقييم الطبيب أو أخصائي الصحة النفسية. ويظل التعبير عن المشاعر والتحدث مع الأشخاص الموثوقين خطوة مهمة، لأن الانعزال قد يزيد من حدة الأعراض.

بناء شبكة دعم تساعد على استعادة الاستقلالية

قد يشعر المصاب بأنه يواجه تجربته بمفرده، إلا أن بناء شبكة من الأشخاص الداعمين يمكن أن يجعل التكيف مع ضعف البصر أكثر سهولة. ويمكن أن تضم هذه الشبكة أفراد الأسرة والأصدقاء المقربين والجيران وغيرهم من الأشخاص الذين يثق بهم المصاب.

ومن المفيد شرح طبيعة الصعوبات اليومية التي يسببها ضعف البصر للمحيطين. لأن الأشخاص الذين لا يعانون من المشكلة قد لا يدركون دائمًا كيفية تأثيرها في الأنشطة العادية. ويساعد الشرح المباشر أو تقديم أمثلة عملية على تكوين فهم أفضل للاحتياجات الفعلية للمصاب.

كما يمكن تحويل الدعم إلى خطوات عملية، مثل تنظيم لقاءات منتظمة، أو المساعدة في التسوق والتنقل، أو توفير المرافقة عند الحاجة. ولا ينبغي أن يقتصر الدعم على تلبية الاحتياجات الأساسية، بل يمكن أن يشمل أيضًا الأنشطة الترفيهية والاجتماعية التي تساعد المصاب على الاستمرار في ممارسة الأشياء التي تمنحه المتعة والمعنى.

عادات تساعد على التكيف مع ضعف البصر

يمكن لبعض الإجراءات أن تدعم الصحة النفسية والجسدية وتزيد القدرة على الاعتماد على النفس. ومن بينها الاستعانة بأخصائي في إعادة التأهيل البصري لتعلم طرق جديدة لأداء المهام اليومية بما يتناسب مع مستوى الرؤية، وهو ما قد يعزز الشعور بالسيطرة والاستقلالية.

كما تساهم ممارسة النشاط البدني المنتظم في تحسين المزاج وتقليل التوتر ودعم الصحة العامة. إلى جانب اتباع نظام غذائي متوازن يوفر العناصر الغذائية والطاقة اللازمة للجسم.

ومن المهم أيضًا الالتزام بخطة العلاج التي يحددها طبيب العيون، بما في ذلك الأدوية أو المكملات الموصوفة والمتابعة المنتظمة، وفقًا للحالة الصحية لكل شخص.

Bad Vision Age Related Macular Degeneration

مجموعات الدعم.. مساحة للتجربة المشتركة

إلى جانب الأسرة والأصدقاء، يمكن لمجموعات دعم الأشخاص المصابين بالتنكس البقعي وضعف البصر أن توفر مساحة للتواصل مع أشخاص يعيشون تجارب مشابهة.

ويساعد هذا النوع من التواصل على تقليل الشعور بالوحدة، واكتساب الثقة، وتبادل طرق التكيف مع تغيرات الرؤية. إلى جانب الحصول على معلومات ونصائح عملية حول الخدمات والأجهزة والموارد المتاحة.

كما تتيح مجموعات الدعم للمصاب التعبير عن مشاعره بصورة أكثر صراحة، والتعرف إلى تجارب الآخرين، ووضع أهداف جديدة والتطلع إلى المستقبل بدرجة أكبر من الأمل.

ويمكن أن تكون هذه المجموعات حضورية أو عبر الإنترنت أو من خلال التواصل الهاتفي، كما قد يقودها أشخاص لديهم تجربة مباشرة مع ضعف البصر أو متخصصون في إعادة التأهيل البصري أو العمل الاجتماعي أو الرعاية الصحية.

ولا تقتصر الفائدة على تلقي الدعم، إذ يمكن للمصاب أيضًا أن يقدم خبرته للآخرين ويشارك في مساندتهم. وهو ما قد يعزز شعوره بالفاعلية والانتماء.

older woman having difficulty reading phone

التكيف النفسي جزء من التعامل مع التنكس البقعي

يمثل التنكس البقعي المرتبط بالعمر تغيرًا مهمًا في حياة المصاب، لكن التعامل معه لا يقتصر على الجانب الطبي وحده. فالدعم النفسي والاجتماعي، وتعلم استراتيجيات جديدة للتعامل مع ضعف البصر، والحفاظ على النشاط والتواصل. كلها عناصر يمكن أن تساعد على التكيف مع المرحلة الجديدة.

ويظل التواصل المنتظم مع الطبيب وأخصائيي الرعاية الصحية مهمًا لمتابعة الحالة وتحديد الاحتياجات المناسبة. كما يمكن الاستعانة بمجموعات الدعم والمنظمات المتخصصة للحصول على موارد إضافية.

وبناء شبكة مساندة متكاملة قد يساعد المصاب على الحفاظ على استقلاليته وجودة حياته. وعلى التعامل مع تحديات ضعف البصر دون أن تتحول إلى عزلة اجتماعية أو تراجع مستمر في النشاط اليومي.

الرابط المختصر :