أفرزت التغيرات المناخية مفهومًا تعليميًا حديثًا يعرف بـ«التعليم الأخضر» أو «المدرسة الخضراء»، وهو مصطلح يعكس توجهًا عالميًا يهدف إلى ربط مخرجات العملية التعليمية، في مختلف المراحل الدراسية، بمبادئ التنمية المستدامة، مع مواكبة التطور التكنولوجي وتوظيف أدواته الحديثة، وذلك وفق معايير ومؤشرات صديقة للبيئة.
وعززت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ هذا التوجه، حيث نصت المادة السادسة منها، المعروفة ببرنامج عمل نيودلهي (2002 – 2012)، على أن التعليم والتدريب والتوعية العامة تشكل جزءًا لا يتجزأ من الاستجابة العالمية لمواجهة تغير المناخ.
مفهوم بيئي وتنموي متكامل
وفقًا لـ”futureuae” يعد التعليم الأخضر من المفاهيم الحديثة التي تقوم على شقين متلازمين؛ أولهما بيئي، يركز على حماية الموارد الطبيعية، وثانيهما تنموي، يعنى بتحقيق التنمية المستدامة. ويهدف هذا النوع من التعليم إلى رفع مستوى الوعي البيئي لدى الطلاب، وتنمية مهاراتهم العقلية والاجتماعية، بما يسهم في خلق بيئة تعليمية صحية ومستدامة، وتشجيعهم على تبني ممارسات صديقة للبيئة.
بينما يتمثل جوهر التعليم الأخضر في كونه عملية تثقيفية تستهدف إعداد جيل قادر على تحديد المشكلات البيئية التي يواجهها الكوكب، واقتراح حلول عملية لها، ووضع ضوابط تحد من تفاقمها. ويتحقق ذلك عبر مناهج تعليمية مدرسية تعنى بالعلوم البيئية، وبرامج جامعية متخصصة تعد كوادر مهنية قادرة على تطبيق التقنيات والممارسات المستدامة.
مجالات متعددة وممارسات شاملة
ذلك ويشمل التعليم الأخضر مجموعة واسعة من البرامج والمبادرات والممارسات التعليمية، التي تتناول موضوعات متنوعة مثل الطاقة المتجددة، وإدارة النفايات، والحفاظ على المياه، والزراعة المستدامة، إضافة إلى تطبيق الممارسات البيئية في قطاعات النقل والبناء والصناعة.
كما يسهم هذا النمط التعليمي في توضيح مفهوم الاستدامة وترسيخه، من خلال إشراك الطلاب في أنشطة عملية تهدف إلى تنمية مهارات حياتية قائمة على الاستخدام الرشيد للموارد، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في خلق بيئة تعليمية محفزة على الإبداع والابتكار والمشاركة المجتمعية، وتعزيز التواصل الفعال بين مختلف أطراف العملية التعليمية.
تعريف اليونسكو للتعليم الأخضر
وفي هذا الإطار، عرفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) التعليم الأخضر بأنه «عملية تثقيفية شاملة تتضمن جوانب معرفية ومهارية ووجدانية، وتهدف إلى إعداد مواطن قادر على توقع المشكلات البيئية المستقبلية، وتأهيله وتدريبه على سيناريوهات مواجهتها، بما يسهم في الحد من تأثيراتها».
كذلك يتمثل الهدف النهائي للتعليم الأخضر في بناء مستقبل أكثر استدامة، عبر تعزيز الإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية، وتقليل الأضرار البيئية، من خلال نهج متكامل يجمع بين المعرفة العلمية، والاعتبارات الأخلاقية، والحلول العملية للتحديات البيئية الواقعية.
أدوات التعليم الأخضر
بينما يعتمد التعليم الأخضر على مجموعة من الأدوات التعليمية المتنوعة، من أبرزها:
- المناهج الدراسية: دمج القضايا البيئية في المناهج الرسمية بمختلف المراحل التعليمية، عبر مقاربات متعددة التخصصات.
- التعلم التجريبي: من خلال الرحلات الميدانية، والأنشطة الخارجية، والمشاريع التطوعية، التي تعزز ارتباط الطلاب بالطبيعة.
- التكنولوجيا: استخدام الأدوات الرقمية مثل المحاكاة والخرائط التفاعلية ومنصات التعلم الإلكتروني لتحليل القضايا البيئية المعقدة.
- إشراك المجتمع: تنفيذ مبادرات محلية مثل الحدائق المجتمعية وبرامج إعادة التدوير وترشيد الطاقة.
- تعزيز السياسات البيئية: إشراك المتعلمين في مناصرة السياسات الداعمة للاستدامة وبناء وعي بيئي فاعل.
تحديات مناخية تعرقل العملية التعليمية
وعلى الرغم من أهمية التعليم الأخضر، كشفت تقارير صادرة عن منظمة «اليونيسف» أن التغيرات المناخية نفسها تمثل عائقًا أمام العملية التعليمية. إذ تؤدي موجات الحر الشديد، والعواصف الرملية، والسيول إلى تعطيل وصول الطلاب إلى المدارس، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي، ما يؤثر على انتظام الدراسة.
كما تشير الدراسات إلى أن التغير المناخي يسهم في ارتفاع معدلات الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على فرص حصول الأطفال على تعليم جيد. إلى جانب ذلك، تؤدي الآثار الصحية غير المباشرة للتغير المناخي إلى زيادة انتشار الأمراض، ما يحد من قدرة الأطفال على الانتظام في التعليم.
الرابط المختصر :




















