كشفت دراسة حديثة أن الحفاظ على حياة اجتماعية نشطة قد يكون أحد العوامل المهمة في تأخير الإصابة بالخرف ومرض الزهايمر. إذ تبين أن كبار السن الذين يشاركون بانتظام في الأنشطة الاجتماعية يتمتعون بصحة دماغية أفضل مقارنة بأقرانهم الأقل تفاعلًا مع الآخرين.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Alzheimer’s & Dementia، حيث أوضحت أن المشاركة المستمرة في الأنشطة الاجتماعية قد تؤخر ظهور مشكلات الذاكرة والإدراك بنحو خمس سنوات، ما يعزز أهمية التواصل الاجتماعي باعتباره وسيلة فعالة لدعم صحة الدماغ مع التقدم في العمر.
النشاط الاجتماعي وتأخير الإصابة بالخرف
استندت الدراسة إلى متابعة 1923 رجلًا وامرأة من كبار السن، بلغ متوسط أعمارهم 80 عامًا، ولم يكن أي منهم مصابًا بمرض الزهايمر أو اضطرابات خطيرة في الذاكرة عند بدء الدراسة. وتم اختيار المشاركين من مرافق التقاعد والإسكان المدعوم في مدينة شيكاغو الأمريكية.
وخلال فترة متابعة استمرت نحو سبع سنوات، خضع المشاركون لاختبارات سنوية لقياس الذاكرة والقدرات الإدراكية، وأسفرت النتائج عن إصابة 545 شخصًا بالخرف أو أحد أشكال الزهايمر، بينما شخص 695 آخرون بضعف إدراكي خفيف.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الأكثر مشاركة في الأنشطة الاجتماعية أصيبوا بالخرف في متوسط عمر بلغ نحو 92 عامًا، مقابل 87 عامًا فقط لدى الأقل نشاطًا اجتماعيًا، أي بفارق يقارب خمس سنوات. كما ظهر الفارق ذاته تقريبًا لدى المصابين بضعف الإدراك البسيط.

أنشطة يومية تصنع الفارق
واعتمد الباحثون على ستة أنواع رئيسة من الأنشطة الاجتماعية لتقييم مستوى اندماج المشاركين، شملت:
- الذهاب إلى المطاعم أو حضور الفعاليات الرياضية أو لعب البنغو والأنشطة الترفيهية.
- القيام برحلات قصيرة أو السفر.
- المشاركة في الأعمال التطوعية والخدمة المجتمعية.
- زيارة الأقارب والأصدقاء.
- الانضمام إلى الأنشطة الجماعية.
- حضور الشعائر والأنشطة الدينية.
كما قيم المشاركون معدل ممارستهم لهذه الأنشطة خلال العام السابق، بدءًا من مرة واحدة سنويًا وحتى المشاركة اليومية.
انخفاض واضح في مخاطر الخرف
وبحسب “alzinfo” لم تقتصر نتائج الدراسة على تأخير ظهور المرض فحسب، بل أظهرت أيضًا أن النشاط الاجتماعي المتكرر ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف بنسبة 38%، وانخفاض احتمالات الإصابة بالضعف الإدراكي الخفيف بنسبة 21%، حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار مثل النشاط البدني والحالة الصحية العامة.
كذلك أشارت الدراسة إلى أن الحفاظ على العلاقات الاجتماعية قد يسهم في زيادة متوسط العمر المتوقع بنحو ثلاث سنوات. إلى جانب تقليل تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بالخرف، والتي قد تصل إلى نحو 500 ألف دولار للفرد طوال حياته.
كيف يحمي التواصل الاجتماعي الدماغ؟
ويرى الباحثون أن التفاعل المستمر مع الآخرين يحفز الدماغ على استخدام شبكاته العصبية بصورة متكررة، وهو ما يساعد على الحفاظ على كفاءتها وتأخير تأثيرات الأمراض التنكسية.
وقال الدكتور برايان جيمس؛ الأستاذ المشارك في الطب الباطني بالمركز الطبي بجامعة راش في شيكاغو، إن الدراسة تأتي استكمالًا لأبحاث سابقة أظهرت وجود علاقة بين النشاط الاجتماعي وتباطؤ التراجع المعرفي لدى كبار السن.
وأضاف أن التفاعلات الاجتماعية المعقدة تحفز الدماغ باستمرار، مما يعزز كفاءة الشبكات العصبية وفق مبدأ “استخدمها أو ستفقدها”.
الوحدة تضاعف المخاطر
وتتفق نتائج الدراسة مع أبحاث سابقة أظهرت أن كبار السن الذين يعانون من الشعور بالوحدة يواجهون خطرًا أكبر يصل إلى ثلاثة أضعاف للإصابة بمرض الزهايمر أو غيره من أنواع الخرف مقارنة بمن يتمتعون بعلاقات اجتماعية نشطة.
ويؤكد الخبراء أن الشعور بالوحدة لا ينبغي أن يكون مصدرًا للوم، بل يستدعي البحث عن وسائل تساعد على تعزيز التواصل والاندماج المجتمعي.
خطوات بسيطة لتعزيز التواصل الاجتماعي
وينصح الخبراء بمجموعة من الوسائل التي تساعد كبار السن على توسيع دائرة علاقاتهم الاجتماعية، من بينها:
- استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للانضمام إلى المجموعات التي تجمع أصحاب الاهتمامات المشتركة.
- المشاركة في الرحلات الجماعية المخصصة لكبار السن، والتي تتيح فرصًا للتعارف وتكوين صداقات جديدة.
- الانخراط في الأعمال التطوعية عبر المؤسسات والجمعيات الخيرية.
- الاستفادة من الأنشطة التي تنظمها المراكز المجتمعية والمكتبات، مثل الدورات الفنية والرحلات والبرامج الثقافية.
- ممارسة الرياضة الجماعية، لما لها من دور في تحسين الصحة النفسية والبدنية وتعزيز العلاقات الاجتماعية.
- الحرص على التواصل المستمر مع الأصدقاء وأفراد العائلة والجيران، حتى من خلال مكالمة هاتفية أو زيارة قصيرة.

رسالة الدراسة
وتؤكد نتائج الدراسة أن النشاط الاجتماعي ليس مجرد وسيلة لقضاء الوقت. بل يمثل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على صحة الدماغ وجودة الحياة مع التقدم في العمر. فالمشاركة المنتظمة في الأنشطة الاجتماعية قد تسهم في تأخير ظهور الخرف، وتعزيز القدرات الإدراكية، ودعم الصحة النفسية، بما يمنح كبار السن فرصة للاستمتاع بحياة أكثر نشاطًا واستقلالية.

















