“اسمي فاطمة”.. ومن الخيال ما قتل!

وفي كل مرة يحاول الخيال أن يتعدى على الواقع ويسلب سلطانه، كان هذا الأخير يُوقفه عند حده ويؤدبه، يكفيه فقط أن يُشهر في وجهه سوط الضرورة، يجب عليك أيها الخيال ألا تنسى نفسك أو تتعدى حدودك.
ربما يكون هذا هو الدرس الذي أرادت رواية عمرو العادلي “اسمي فاطمة” ـ التي وصلت مؤخرًا للقائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد في الآداب ـ أن تعلمنا إياه.

تبدأ الرواية بمشهد محاكمة “فاطمة”، وهي بطلة الرواية وراويتها أيضًا، وهذه البداية بديعة ومعبرة للغاية، فهذه الـ”فاطمة” التي استسلمت للخيال وأسلمت له قيادها، وانتهكت الواقع وكسرت قوانينه، ها هي الآن في قفص الاتهام تُحاكم، على ماذا تتم محاكمتها؟ فقط على انتهاك حدود الواقع.

وبينما هي في قفص الاتهام، تتذكر “فاطمة” كل شيء فات من حياتها، وعبر هذا التكنيك السردي “الفلاش باك” يبدأ عمرو العادلي في سرد أحداث روايته، التي هي أحداث حياة “فاطمة طاهر” نفسها.

ولدت “فاطمة” في إحدى القرى ـ لم يسمها العادلي لكنه أسهب في وصفها ـ لأب مدرس يكتب الروايات والقصص، ومنه ورثت “فاطمة” إدمان الخيال والهُيام به، وأم ممعنة في الواقعية والتمسك بأهدابها، وبدورها أثرت هذه الأم على ابنتها، وهو الأمر الذي سيظهر فيما بعد، عندما تتعلم الخضوع للواقع بل وسترتكب جريمة قتل!

وفي شخصية “فاطمة”، نجد تلك الثنائية الحادة والصلبة التي كرس “نيكوس كازندزاكي” أدبه برمته للتعبير عنها ومحاولة التوفيق بين طرفيها، بيد أن ثنائية “فاطمة” ليست هي “الإنساني/ الإلهي” كما هو الحال عند “نيكوس” بل هي الواقع والخيال.

تتعرف “فاطمة” على نفسها والعالم من خلال قريتها، فتكتشف موهبتها في الرسم، ولا شيء أدعى للخيال من الرسم، وتُظهر اهتمامًا كبيرًا بالمسلسلات والأفلام، وبهما كانت تغيّب الواقع وتسرح في دنيا الخيال.

يظل حال “فاطمة” كما هو دون تغير، فقط تصغي إلى أبويها وتلعب مع أخيها “منصور” و”خضرا”؛ تلك الفتاة المسكينة التي كفلها والدا فاطمة بعدما فقدت ذويها ولم يعد لها من معين، يظل الحال كما هو إلى أن تكبر “فاطمة” وتصبح عروسًا كبيرة.

وهنا يتدخل “الخنزير” أو عمها “مختار” ـ كانت أمها تُطلق عليه هذا اللقب، وهو النسخة البشرية المواجهة والمضادة لنسخة أخيه طاهر والد فاطمة، فالأول ممعن في واقعيته والآخر ممعن في مثاليته ـ ويأتي لها بعريس “خالد” الذي يعمل ضابط شرطة، وهنا تظهر مرة أخرى النسخة الواقعية المعادية للخيال والمناوئة له، فشخصية مثل “فاطمة” لا يصلح لها زوجًا سوى كاتب أو رسام أو نحّات، ولكن المؤلف أراد، في كل مرة، أن يذكرنا وأن يُذكر بطلة روايته بالواقع وشروطه وقوانينه.

توافق “فاطمة” على العريس ـ وهل كان بإمكانها أن ترفض بعدما وافق عليه الخنزير وأمها، ويبدو أن هذا الزواج كان بمثابة مؤامرة من معسكر الواقع على خيال فاطمة ـ وهنا تبدأ مرحلة جديدة من حياة “فاطمة” الداخلية والخارجية معًا، لكن مسرح اللعبة لن يكون تلك القرية الهادئة والمستقرة بل “حي الزهور” حيث شقة زوجها “خالد” ضابط الشرطة.

وفي شقة حي الزهور يتقلص وجود “فاطمة”، ويتمركز حول عدة أشياء بسيطة وصغيرة للغاية؛ وردة حمراء على ملاءة السرير، حوض أسماك زينة، بعض الزهور الصناعية، وهكذا، إنها لم تعتد الواقع فانسحبت إلى الخيال أو سحبها الخيال.

وفي ذات الشقة أيضًا تتطور الأحداث وحياة فاطمة تطورًا دراماتيكيًا، فتتعرف على “شروق” ـ تلك المسحورة بالخيال ـ ابنة الممثلة كريمة شوقي، والتي استغلتها أمها في تمثيل بعض الأدوار على الشاشة، والتي قتلتها أمها فيما بعد، والجريمة واحدة ومعروفة وهي التعدي على الواقع والاستسلام للخيال.
لكن السيدة العجوز، التي كانت تسكن في الشقة المواجهة لشقة “فاطمة” كانت قصة مختلفة من تلك القصص التي سطا الخيال عليها وجردها من كل ذرة واقعية، كانت هذه السيدة العجوز تسكن بمفردها، لم تتزوج فـ”كل امرأة لديها صورة في رأسها عن رجل به كل الصفات الحلوة” ص 253.
وبالطبع لم تظفر هي بهذا الرجل الذي به “كل الصفات الحلوة” بل قادها رأيها إلى استنتاج آخر أكثر قساوة، إذ تقول وغُنة الأسى تملء حلقها: “ربما كانت هذه الصورة هي المتسبب المباشر في جميع الكوارث” ص 253.

كانت شقة هذه السيدة العجوز تعد بصور الأشخاص الذين لا تعرف عنهم شيئًا، وعلى الرغم من ذلك سودت أوراقًا كثيرًا بحياتهم التي تخيلتها من تلقاء نفسها، إن هذه السيدة العجوز هي المقابل المثالي لواقعية الجارة الأخرى “كريمة شوقي”، والرجل الأصلع الذي ادعت أنه طبيب ابنتها “شروق”.

وفي شقة “حي الزهور” يتم اغتصاب “فاطمة” من قبل الشيخ “طه” ـ أمين الشرطة المفصول من عمله لأسباب أخلاقية، وشريك “خالد” في مشروع القبور الخاص به ـ بنفس الطريقة التي اغتصب بها الخنزير أم “خالد” من قبل.

ورغم كل هذه الأحداث الدرامية إلا أن الحدث الأكثر إمعانًا في الخيال، هو ظهور “خالد” آخر غير “خالد” زوج فاطمة.

هذا الـ “خالد” المتخيّل، كان رجل آخر من العالم الآخر، قُتل في الواقع، فكان بعض مجاذيب الخيال يتصورون أنهم يرونه.
ومن هنا أمسى في حياة “فاطمة” خالدان اثنان، أحدهما حقيقي والآخر متخيل، ولكي تُخلص لهذا المتخيل والذي به “كل الصفات الحلوة”، قامت بقتل خالدها الحقيقي والواقعي، في محاولة منها لهتك حدود الواقع، لكن الغلبة في النهاية كانت للواقع، إذ تم الزج بها في السجن، وبهذا أعلن الواقع انتصاره.

الرابط المختصر :