لا تزال الأوبئة الكبرى الغامضة التي اجتاحت أوروبا خلال العصور الوسطى ظاهرةً غامضة. فعلى الرغم من الأبحاث المكثفة التي أجراها المؤرخون والعلماء وعلماء الأنثروبولوجيا، لا يزال السبب الحقيقي وأصل هذه الأوبئة الفتاكة واختفاؤها المفاجئ مجهولًا. ومع ذلك، يبقى الأثر العميق الذي تركته على تاريخ العالم أمرًا مؤكدًا.
أحدث موجات الموت الكارثية هذه (حتى الآن) ضربت الساحل الجنوبي لفرنسا، وتحديدًا في مرسيليا، بين عامي 1720 و1722. حيث فقدت 100 ألف روح في فترة عامين فقط.
كانت مرسيليا مستعدة لتفشي المرض
يعرف الطاعون باسم الطاعون الدبلي bubonic plague pandemic نسبةً إلى “الدمامل” (الكتل) التي كانت تتشكل على أجساد الضحايا، كما اتخذ الطاعون أشكالًا رئوية وتسممية.
كان سكان مرسيليا، المدينة الثرية ذات الأهمية الإستراتيجية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، على دراية تامة بالأوبئة. إذ ضربت هذه الأخيرة المدينة عام 1580، ثم مرة أخرى عام 1650؛ واستجابةً لذلك، أنشأ السكان مجلسًا للصرف الصحي للحفاظ على ظروف صحية جيدة في المدينة.
ورغم أن العلاقة بين النظافة الشخصية والعدوى لم تثبت بشكل قاطع إلا بعد قرن من الزمان، إلا أن سكان أوروبا في القرن الثامن عشر كانوا قد أدركوا بالفعل أن القذارة والإهمال يرتبطان بشكل أو بآخر بالطاعون.

باعتبارها مدينة ساحلية، كانت مرسيليا تستقبل بانتظام سفنًا قادمة من موانئ بعيدة تحمل على متنها أمراض جديدة. وفي محاولة لمكافحة ذلك، طبقت نظامًا متطورًا للغاية من ثلاثة مستويات لعزل كل سفينة تدخل الميناء. وشمل ذلك تفتيش سجلات القبطان وملاحظات تفصيلية عن جميع الموانئ حول العالم التي تم الإبلاغ فيها عن نشاط الطاعون.
بالنظر إلى هذه الخطوات، التي كانت تطبق عادةً بصرامة، فإن حقيقة وفاة أكثر من نصف سكان مرسيليا في هذا الوباء الأخير الرهيب أمرٌ صادمٌ للغاية. ذلك إلى الاقتصاد المدمر، والاضطرابات الاجتماعية، والتداعيات السياسية الوخيمة.
العولمة والأمراض
بحلول أوائل القرن الثامن عشر، أصبحت فرنسا قوة دولية، وازدادت ثروة مرسيليا من خلال احتكارها لجميع تجارتها المربحة مع الشرق الأدنى.
في الخامس والعشرين من مايو عام 1720، وصلت سفينة تدعى “غراند سانت أنطوان” من صيدا في لبنان، حاملةً شحنة ثمينة من الحرير والقطن. لم يكن في ذلك شيءٌ غير عادي في حد ذاته، إلا أن السفينة كانت قد رست في قبرص في طريقها. حيث تم الإبلاغ عن تفشي وباء الطاعون.
بعد رفض دخول السفينة إلى ميناء ليفورنو، وضعت في منطقة حجر صحي خارج أرصفة المدينة، وبدأ ركابها يموتون. وكان أول الضحايا راكبًا تركيًا، نقل العدوى إلى جراح السفينة، ثم إلى بعض أفراد الطاقم.
مرسيليا عام 1720 بريشة ميشيل سير
إلا أن ثروة مرسيليا الجديدة وقوتها جعلت تجار المدينة جشعين، وكانوا في أمس الحاجة إلى وصول شحنة السفينة إلى معرض بوكير المربح في الوقت المناسب.
ونتيجة لذلك، تعرضت سلطات المدينة ومجلس الصرف الصحي، رغمًا عن إرادتهم، لضغوط لرفع حالة الحجر الصحي عن السفينة. وسمح لطاقمها وشحنتها بالدخول إلى الميناء.
في غضون أيام، بدأت تظهر بوادر الطاعون في المدينة، التي كان عدد سكانها آنذاك 90 ألف نسمة، وانتشر المرض بسرعة. ورغم التطور الكبير الذي شهده الطب منذ عصر الموت الأسود the Black Death في أربعينيات القرن الرابع عشر. إلا أن الأطباء ظلوا عاجزين عن إيقاف انتشاره كما كانوا آنذاك. لم تكن طبيعة العدوى والانتشار مفهومة، ولم تكن هناك أي علاجات متاحة.
وصول الطاعون
وسرعان ما غمرت المدينة أعداد هائلة من القتلى، وانهارت البنية التحتية بالكامل. تاركة أكوامًا من الجثث المتعفنة والمريضة ملقاة في العراء في الشوارع.
كان البرلمان المحلي في إيكس على علم بهذه الأحداث المروعة، واضطر إلى اتخاذ نهج متطرف للغاية يتمثل في تهديد أي شخص يحاول مغادرة مرسيليا أو حتى التواصل مع المدن المجاورة بعقوبة الإعدام.
ولفرض ذلك بشكل أكبر، تم تشييد جدار بارتفاع مترين يسمى “la mur de la peste” حول المدينة بأكملها. مع وجود نقاط حراسة مشددة على فترات منتظمة.
لوحة لمدينة مرسيليا أثناء تفشي جائحة عام 1720 بريشة ميشيل سير
في النهاية، لم يجدِ ذلك نفعًا يذكر حيث انتشر الطاعون إلى بقية بروفانس (جنوب شرق فرنسا) بسرعة، وألحق دمارًا بمدينتي تولون وآرل المحليتين قبل أن ينحسر نهائيًا عام 1722. كما أنفقت الحكومة الفرنسية مبالغ طائلة على تعزيز أمن الموانئ بعد هذه الأحداث، ولم تحدث أي ثغرات أمنية أخرى في الموانئ.
في العامين بين مايو 1720 ومايو 1722، توفي 100 ألف شخص جراء الطاعون، من بينهم 50 ألفًا في مرسيليا. لم يتعافَ عدد سكانها حتى عام 1765، لكنها نجت من مصير بعض المدن التي اجتاحها الطاعون، وهو الاختفاء التام، بفضل انتعاش التجارة، هذه المرة مع جزر الهند الغربية وأمريكا اللاتينية.
إضافةً إلى ذلك، وجدت أدلة على إجراء تشريح حديث للجثث في بعض حفر الطاعون حول مرسيليا، وهو أول تشريح معروف من نوعه. لعل المعرفة الجديدة التي جمعت خلال طاعون مرسيليا ساهمت في ضمان عدم حدوث أوبئة مماثلة للطاعون الدبلي في أوروبا منذ ذلك الحين.
كيف انتشر الموت الأسود؟
عندما يشير المؤرخون إلى “الموت الأسود”، فإنهم يقصدون تفشي الطاعون الذي اجتاح أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر. لم يكن هذا أول طاعون يصيب أوروبا، ولن يكون الأخير فقد ضرب وباء فتاك يعرف باسم “طاعون القرن السادس” أو “طاعون جستنيان” The Plague of Justinian القسطنطينية وأجزاء من جنوب أوروبا قبل ذلك بثمانمائة عام. لكنه لم ينتشر على نطاق واسع كما فعل الموت الأسود، ولم يحصد أرواحًا كثيرة.
وصل إلى أوروبا في أكتوبر من عام 1347، وانتشر بسرعة في معظم أنحاء أوروبا بحلول نهاية عام 1349. ثم إلى الدول الاسكندنافية وروسيا في خمسينيات القرن الرابع عشر وعاد عدة مرات خلال بقية القرن. كان الموت الأسود يعرف أيضًا باسم الطاعون الأسود، والموت العظيم، والوباء.

من خلال هذه الأساليب في انتقال العدوى، انتشر الموت الأسود عبر طرق التجارة من آسيا إلى إيطاليا، ومن ثم في جميع أنحاء أوروبا:
- انتشر الطاعون الدبلي عن طريق البراغيث التي تعيش على الفئران المصابة بالطاعون، وكانت هذه الفئران منتشرة في كل مكان على متن السفن التجارية.
- يمكن أن ينتشر الطاعون الرئوي عن طريق العطس وينتقل من شخص لآخر أو عن طريق ملامسة الجروح المفتوحة.
كيف كان رد فعل الناس
كان الخوف والهلع ردود الفعل الأكثر شيوعًا. فرّ الناس من المدن مذعورين، تاركين عائلاتهم. طغت أعمال الأطباء والكهنة النبيلة على أعمال أولئك الذين رفضوا علاج مرضاهم أو منح طقوس الدفن لضحايا الطاعون.
اقتنع البعض بقرب النهاية، فانغمسوا في الفجور الجامح؛ بينما صلى آخرون طلبًا للخلاص. وتنقل المتعبدون من مدينة إلى أخرى، يجوبون الشوارع ويجلدون أنفسهم لإظهار توبتهم.

آثار الموت الأسود في أوروبا
اجتماعيًا
- ارتفع معدل الزواج بشكل حاد ويرجع ذلك جزئيًا إلى زواج الرجال من اليتيمات والأرامل الثريات.
- كما ارتفع معدل المواليد، على الرغم من أن تكرار الإصابة بالطاعون أبقى مستويات السكان منخفضة.
- وقد لوحظت زيادات ملحوظة في العنف والفسق.
- حدث الارتقاء الاجتماعي على نطاق ضيق.
اقتصاديًا
- أدى فائض السلع إلى الإفراط في الإنفاق؛ وسرعان ما تبع ذلك نقص في السلع وتضخم.
- أدى نقص العمالة إلى تمكينهم من فرض أسعار أعلى؛ وحاولت الحكومة الحد من هذه الرسوم إلى أسعار ما قبل الطاعون.

آثاره على الكنيسة
- فقدت الكنيسة الكثير من الناس، لكنها ازدادت ثراءً بفضل التبرعات. كما ازدادت ثروتها أيضًا من خلال زيادة الرسوم المفروضة على خدماتها، مثل إقامة القداس على الموتى.
- تم نقل الكهنة الأقل تعليمًا إلى وظائف كان يشغلها رجال أكثر علمًا قد توفوا.
- أدى تقاعس رجال الدين عن مساعدة المنكوبين خلال الطاعون، إلى جانب ثروتهم الواضحة وعدم كفاءة كهنتهم. إلى استياء شعبي واسع. وتصاعدت أصوات المنتقدين، وبدأت بوادر الإصلاح الديني بالظهور.
















