في عصرنا الحالي؛ حيث تهيمن الصورة على المحتوى وتطغى الضجة على القيمة، وشهد مفهوم الشهرة تحولًا جذريًا. فلم يعد التميز أو الموهبة هما المعيار، بل أصبح الطريق مفتوحًا على مصراعيه لكل من يملك “فكرة صادمة” أو ينجح في اختلاق مشهد مثير. هنا يولد “هوس التريند“؛ الوباء الرقمي الذي حول منصات التواصل الاجتماعي إلى مسارح استعراضية ضخمة. حيث تباع الشهرة وتشترى بالغرابة لا بالجدارة.

صعود “نجم التفاهة”.. معادلة الشهرة الجديدة
وفقًا لـ “medium”لقد تحولت وسائل التواصل من مجرد أدوات للتعبير إلى مسرح مفتوح يفرز كل يوم مظهرًا جديدًا لـ”داء العصر”، وهو هوس الوصول إلى التريند. لم يعد السؤال حول كيفية إيصال رسالة قيمة؟ بل أصبح: كيف أظهر؟ وكيف أجعل الملايين يتداولون مقطعي؟
لم تعد الإجابة تتطلب سنوات من التحصيل العلمي، أو صقل المهارات، أو القراءة المستفيضة. بل أصبحت المعادلة بسيطة بشكل صادم:
“كل ما تحتاج إليه: فكرة موغلة في السخف، ومغلفة بـسيناريو مثير.. ثم تضغط على تسجيل، وتنتظر ضربة الحظ”.
لقد تغيرت الغاية بشكل جوهري. لم تعد الرسالة أو القيمة هي المحرك، بل أصبحت الأولوية هي “كيف أشاهد؟ وكيف يصفق لي؟”. وأصبحت الوسيلة غير مهمة ما دام الهدف محققًا: الرقص، التنمر، السخف، أو حتى تأدية دور “الأهبل” وتكسير حدود العقل والمنطق. المهم أن يصبح تريند.
هل المجتمع هو الأداة المحركة؟
إن هذا المشهد الغريب ما كان ليترسخ لولا أن الأرضية الاجتماعية كانت مهيأة تمامًا لاستقباله. فالمجتمع نفسه بات يفرش الطريق أمام هؤلاء صانعي التفاهة. حيث تقابل مقاطعهم بـورود الاهتمام ومتابعات الإعجاب، وكأنهم رموز العصر.
الإعلام، في حقيقته، هو مرآة دقيقة لتوجهات الناس. والسؤال الذي تطرحه هذه المرآة اليوم هو: من يملك الشعبية؟ ومن يحصد المتابعين؟ والإجابة واضحة ومؤلمة:
- الهزليون ومروجو التفاهة في الصدارة.
- أما الجادون من الكتاب، والمثقفين، والتربويين، والمختصين، فهم في آخر الصف؛ مهمشون أو لا يُعرفون أصلًا.
هذا التناقض يتجسد في الشارع: ذاك الذي أصبح “تريند” البارحة يقابَل اليوم بالاحتفاء والالتفاف، بينما صاحب المحتوى الحقيقي قد يصافح على استحياء أو لا يُعرَف البتة.

تحدي مقاومة التيار الجارف
ولكن هل يمكننا القضاء على هوس التريند؟ بالنظر إلى الواقع، فإن الإجابة الصادقة هي لا، القضاء عليه صعب وشبه مستحيل. والسبب في صعوبة علاجه أنه مدعوم شعبيًا.
إن قاعدة اللعبة بسيطة: ما يحظى بالدعم سيبقى، وما يتجاهل سيتلاشى. والناس هم الحكم والقرار؛ فهم من يقررون المشاهدة، المشاركة، الضغط على الإعجاب، والترويج، وبذلك يصنعون نجومًا من ورق. ولهذا، تحول الهوس بالتريند إلى مرض مزمن لا يبدو له علاج في المدى القريب، ما لم يحدث تحول جوهري في أولويات المتلقي.


















