تم تعريف نظرية التعلق من قبل المحلل النفسي “جون بولبي” الذي قام بالتحقيق والتدقيق في العلاقة بين الوالدين والأطفال. حيث طرح تفسيرًا لبكاء الطفل فور انفصاله عن أحد الوالدين.
وجدر بالذكر أن د. “بولبي” قد تميز منذ الطفولة بقدر فائق من الذكاء وتم تدريبه في مدرسة للأطفال الموهوبين ليتوغل بعد ذلك في أعماقه اهتمام شديد بعلم النفس وقضايا التنمية البشرية.
وتوصل مؤسس النظرية إلى أن الأطفال الذين لا تربطهم علاقة وثيقة مع والديهم يعانون بشكل مبكر من مشكلات نفسية وعاطفية في مرحلة البلوغ. وأن الرابطة بين الأم والطفل هو المبدأ الرئيسي لتنشئة شخصية كاملة متوازنة.
جادل “بولبي” بأن السلوك البشري يعتمد بشكل مباشر على البيئة التي نشأ فيها، ويتجسد هذا في سجلات تاريخ العصور القديمة. فعلى سبيل المثال كان الأولون يعيشون في مجموعات لحماية أنفسهم من الهجومات ومخاطر البيئة المحيطة وتبنوا أصواتًا معينة كانت بمثابة إشارات، لتتطور بعد ذلك بعض السلوكيات التي أعانتهم على البقاء.
يبدي الأطفال بعضًا من الإيماءات والإشارات التي تعبر عما لا يستطيعون بوحه بالكلمات كأن يعني بكاءه شعوره بالضيق أو الخوف أو الألم. أما ابتسامته تشير إلى سعادته.

مراحل تطور ارتباط الطفل
طرح في هذا “بولبي” مراحل تطور ارتباط الطفل ففي بداية الحياة يكون رد فعله الاجتماعي عشوائيًا كمحاولة مبدئية في التكيف مع المحيط فيبتسم لأي شخص بالغ، ويبكي إذا ابتعد عنه مسافة مقدرة. في عمر 6 أشهر، يبدأ الطفل في التعرف على أحبائه ومفضليه.
بعد ذلك، يبدأ الطفل في مراقبة ما يبدر عن والديه ويتعرف على المشاعر ويحاول تبني سلوكه من شخص بالغ. وهذا السلوك لا يختلف عمليًا عن سلوك صغار الحيوانات. ولهذا استخدم “بولبي” مصطلحات مثل الغريزة. وبالتالي فإن تطور المجتمع البشري يقوم على ملاحظة وتحليل الطفل لوالديه ويتبنى ما نشأوا عليه.
وجد “بولبي” أن الرابطة التي تتشكل بين الوالدين والأطفال تلعب دورًا كبيرًا في التطور السليم للفرد. وبالنسبة للطفل، فإن الأم والأب لا يلبيان فقط احتياجاته الفزبولوجية، بل يمثلان أيضًا مهده في الانفتاح على العالم وتكيفه مع البيئة الخارجية. وأشار أن في غياب أم، يكون هذا التكيف غير مكتمل.
تبدأ العادات العاطفية بالنمو لدى الأطفال في وقت مبكر وتؤثر لاحقًا على أساليب التواصل مع المجتمع وتبني أنماط مختلفة من التعلق تجاه الغير، سواء كان نمط تعلق آمن، أم نمط التعلق المتجنب، وما إلى ذلك. والجدير بالذكر أن الدعم الكامل من شخص بالغ يسمح للطفل بالتطور بسرعة وتخطي رهاب دراسة العالم.
أنماط التعلق عند الأطفال
التعلّق التجنّبي غير الآمن
يظهر هذا النمط عندما لا يتلقّى الطفل استجابات عاطفية كافية من مقدم الرعاية. ونتيجة لذلك، لا تُلبّى احتياجاته العاطفية بشكل متكرر. مع الوقت، يبدأ الطفل في إدراك أن طلب القرب أو الدعم لا يقابل بالاهتمام، فيضطر إلى التكيّف مع هذا الوضع. فيقوم بقمع حاجته إلى الحب والرعاية، ويظهر سلوكًا يوحي بالاستقلال الزائد وتجنّب الاعتماد على الآخرين.
التعلّق غير المنظَّم
يسود غالبًا في بيئات يسودها الخوف أو الإساءة أو الإهمال الشديد. يكون مصدر الأمان (مقدم الرعاية) هو نفسه مصدر الخوف. لذلك، يظهر الطفل سلوكيات متناقضة أو مشوَّشة، وقد يقمع مشاعره أو يتجمّد عاطفيًا. لا يتوقع هذا الطفل المساعدة أو الحماية من الكبار، وغالبًا ما يكون قد تعرّض للترهيب أو العنف. ما يؤثر بعمق في نموه النفسي.
التعلّق القَلِق غير الآمن
ينشأ عندما تكون استجابات مقدم الرعاية غير ثابتة أو غير متوقعة. يظهر الطفل مشاعر سلبية متكررة مثل القلق، الخوف من الفقد، والتعلّق المفرط. لا يبتعد الطفل هنا عن الكبار، بل على العكس، يسعى إليهم بإلحاح خوفًا من فقدانهم. وقد يؤدي ذلك إلى شعور دائم بعدم الأمان، ويؤثر سلبًا في نموه العاطفي والاجتماعي.
التعلّق المقاوم
عند تعامل مقدم الرعاية مع الطفل بأسلوب متقلّب: أحيانًا بحنان، وأحيانًا بقسوة أو إهمال لا يستطيع الطفل توقّع ردود الفعل، فيصبح في حالة توتّر دائم. يظهر الطفل سلوكًا متناقضًا؛ فيشعر بقلق شديد عند مغادرة الوالدين، وعند عودتهم يظهر الغضب أو الرفض رغم حاجته إليهم.
المراحل الرئيسية لحالة الطفل
تستند النظرية إلى حقيقة أن الطفل لديه حاجة فطرية للبقاء بالقرب من الكبار وهي متأصلة منذ الولادة وفقدان الاتصال والتواصل يسبب ما يشبه الاضطرابات.
المرحلة الأولى
تبدأ عند الولادة، تنطلق باستماع الطفل إلى الأصوات المحيطة وابتسامه في بعض الأحيان دون وعي. في عمر 5-6 أسابيع ، تكون الابتسامة كرد فعل على رؤية وجوه أمهاتهم تعبيرًا عن الحب والاشتياق.
المرحلة الثانية
منذ 3 أشهر، تصبح ردود أفعال الأطفال أكثر انتقائية. بتوجيه الابتسامة نحو أحد أفراد أسرته ما يظهر تطور قدرتهم في التعرف على الوجوه المألوفة. ويستجيبون بسهولة للبالغين الذين هم على اتصال وثيق بهم.
المرحلة الثالثة
اعتبارًا من 6 أشهر، يزيد نشاطه الاجتماعي كأن يبكي فور مغادرة أمه الغرفة والعكس يبدي فرحته بلقائها. في عمر 8 أشهر، يمكن للطفل أن يحبي متتبعًا خطوات أحد أفراد العائلة. ويحاول أيضًا استكشاف العالم من حوله.
المرحلة الرابعة
يعتقد أن الطفولة تنتهي في هذا الوقت، حين تنطلق بالفعل إدراك حاجته إلى وصي وقدوة يتبعها، ومع مرور الوقت يزداد الوعي وتفتح باب الاختيارات ليتصرف كل فرد حسب عمره. فيحاول المراهقون الابتعاد عن هيمنة الوالدين. غالبًا ما يعود البالغون إلى والديهم في الأوقات الصعبة. أما كبار السن فيعتمدون على الشباب. وطوال الحياة، يحاول الشخص الحفاظ على ارتباطه بأحبائه. ما يولد لديه أحاسيس الخوف من الوحدة.
عاطفة الكبار
ينعكس أسلوب التعلق الذي نشأ في الطفولة بشكل مباشر في نوع التعلق في حياة الشباب والبالغين. حيث توجد شريحة من البالغين الراضيين عن وضعهم في المجتمع وعلاقاتهم الشخصية وغالبًا ما تتضمن قيم نقية كالصدق والدعم ومختلف المشاعر العاطفية العميقة.
أما الأشخاص الذين تفصلهم عن محيطهم فجوة ومسافة لديهم حالة من الارتباط المتجنب والمقلق. فنجدهم في حالة رفض الانسجام في المجتمع لاعتقادهم أن هذا يمنعهم من المضي قدمًا ويقيد استقلاليتهم.
والبعض الآخر يتضمن أفرادًا يهيمن عليهم التواصل المتكرر مع من حولهم لتلبية حاجتهم من الاهتمام والحب لأنفسهم. ويمكن أن يفرضوا مشكلاتهم على الآخرين وفي النهاية ينفر منهم الجميع بشكل واضح. من هذا يمكن القول أن نوع التعلق يتم تحديده الشخص خلال مرحلة الطفولة، يكتسب الشخص عادات معينة في مرحلة الطفولة. وتتشكل سلوكياته وسمات شخصيته جنبًا.
وفي حالة ما إذا كانت بيئة نموه خارج نطاق الطبيعي فهذا لا يمنع قابلية تغيير العادات والمنهاج في العلاقات الشخصية.


















