من خلال الثورات الجزائرية المتعاقبة ضد الطغاة تشكلت متاهة تاريخية لنساء مجاهدات وشهيدات رسمن بريشة الكفاح الممجد بالدم لوحات ملحمية أُطلق عليها تاريخ جميلات الجزائر إنه تاريخ حافل بكل أشكال النضال ضد المحتل الغاشم منذ أقدم العصور.
نضال تميز بشخصيات نسائية تألقت في كفاحها وهي ترد بشجاعة إلى جانب الرجل العدو الدخيل بدء من مقاومة المرأة للوندال. والبيزنطيين ،وصولا إلى سنوات الكفاح المسلح للاحتلال الفرنسي.
كان نضالا جعلها تخوض قضيتها وقضية بلدها بنفسها، فقدمت الابن والزوج والأخ والوالد، ونسجت المرأة الجزائرية من التحام الحقب التاريخية المتعاقبة للأمازيغية والإسلامية ملحمة نضالية متصلة ضد الغزاة الأجانب.
الأميرة سيريا بنت الملك نوبل
يحدثنا تاريخ المقاومة الجزائرية في فترة الاحتلال الروماني عن نضال ابنة نويال” سـيريا” بمنطقة التيتيري في جنوب شرق ولاية بجاية. حيث رفضت وعائلتها عبث الوجود الروماني على أرضهم.

قررت أن تساعد أخاها في الإشراف على تنظيم مجموعات الدفاع للتصدي لهجمات الرومانيين. فشكلت قوات لغلق مداخل المدينة ونصبت مجموعات رماة النبل في المناطق الاستراتيجية لتشتيت الجنود الرومان من جهة.
ولتسهيل تدخل جنود الأمازيغ من جهة أخرى ، في حين أبقت الخيالة تحت قيادتها المباشرة . وبفضل تنظيمها المحكم وحنكتها الفائقة في القيادة والتنظيم استطاعت إلحاق هزيمة نكراء بأكبر قائد روماني وهو “الكونت تيودروس “.
ديهيا بنت ثابت تومرة
يذكر التاريخ بكل اعتزاز ” ديهيا بنت ثابت تومرة” أصلها من قبيلة جراوة بجبال الأوراس ، وقد سميت “بالكاهنة” لما كانت تخبر به قومها بما سيحدث في المستقبل ، تولت الحكم على حساب أبنائها الثلاثة الذين ورثوا الحكم من سلفهم ، تميزت بشخصية قوية وحنكة عسكرية جعلتها تقود الحروب الضارية ببراعة قتالية فائقة ضد الفاتحين المسلمين .

اعتصمت بعاصمتها “ماسكولا” لمدة طويلة بعد انتصارها على الفاتح حسان بن نعمان ، وبعد الحصار المفروض عليها مدة ستة أشهر خاضت أخر معاركها عام 701 ميلادي وهُزمت، وعندما همّت بالهرب منعتها عزتها بنفسها كملكة ، وبقيت كلماتها الخالدة “الملوك لا تفر من الموت لأن ذلك يجلب العار إلى قومي وبلادي ” استمرت في القتال حتى سقطت قتيلة بمنطقة بئر العاتر بولاية تبسة .

الملكة تينهينان
لم يغفل التاريخ عن الملكة ” تينهينان” أو ملكة جبال الهقار، حيث كانت تدير الحروب ضد القبائل الطامعة في أرضها، تتولى القيادة العسكرية بنفسها ، تقود جيوشها إلى أشرس المعارك ، استندت إليها قبائل الطوارق في تنظيمهم الاجتماعي الذي يستمد السلطة حتى وقتنا الراهن من حكمة المرأة ومن قدرتها في إدارة الدفة في وقت الحرب وأوقات السلم .

لالة فاطمة نسومر
ثم قدمت الجزائر في فترة الاحتلال الفرنسي الكثير من البطلات خلدهن كفاحهن ، حيث رفعت ” لالة فاطمة نسومر” لواء الجهاد وقادت المعارك لعدة أعوام وذاع صيتها في كل أنحاء البلاد، وبثت الرعب في أوساط جنود المحتل الفرنسي.

ولم يفلح الجنرال ” راندون” على رأس جيش قوامه 45 ألف عسكري من قمع مقاومتها في منطقة القبائل ، إلى أن وقعت أسيرة في يوليو 1857 وأطلقت عليها فرنسا لقب ” جان دارك جرجرة ” وكانت هي تفضل لقب ” خولة جرجرة” تخليدا وتكريما لخولة بين الأزور . ظلت أسيرة في سجون المستعمر إلى أن وافتها المنية.
جميلة بوحيرد
ومع فجر اندلاع ثورة عام 1954كانت المرأة في مقدمة من عزموا على أن لا يطول الاحتلال الفرنسي أكثر مما طال ، فكانت المجاهد ” جميلة بو حيرد “ التي قدمتها السينما المصرية للعالم بفيلم جسّدت فيه شخصيتها الفنانة ماجدة الصباحي ، وقد اعتمدتها الجزائر بعد الاستقلال سفيرة فوق العادة لتنقل إلى العالم رسالة المرأة الجزائرية إلى ارقى وابهي صورها.

وريدة مداد
تعاقبت بطلات الجزائر في صفوف المقاومة فكانت البطلة الشهيدة ” وريدة مداد “ التي تحدت قيود الحصار واجراءات المراقبة المشددة التي أقامها السفاح الكولونيل بيجار وعساكره في الأحياء السكنية فنفذت العديد من عمليات نقل الوثائق و المعلومات إلى أن جرى القبض عليها.

حيث تأكد جنود العدو بمركز الاستنطاق والتعذيب من انخراطها في صفوف الثوار حتى توفيت متأثرة بالتعذيب الوحشي الذي بلغ حد رفض السلطات الفرنسية تسليم جثتها إلى أهلها حتى يتم إخفاء علامات التعذيب في جسد طفلة لم تتجاوز 16 عاما.
جميلة بوباشا
رسمت ريشة الفنان العالمي بابلو بيكاسو الشهيدة “جميلة بوباشا “أثناء عرض قضية شعبها عالميا ، التحقت بالثورة منذ بدايتها وقامت بنقل الأسلحة والأدوية والوثائق للثوار بالجبال ، وبضمان توفير مقرات الإيواء لهم.


اعتقلتها السلطات الفرنسية بالجزائر العاصمة وأذاقتها كل الوان العذاب . بقيت رهينة الحبس إلى أن تم إطلاق سراحها إثر وقف إطلاق النار.
حسيبة بن بوعلي
تأثرت المناضلة “حسيبة بن بوعلي” خلال سنوات دراستها الثانوية بالأوضاع السيئة للشعب الجزائري، انضمت إلى تنظيم الكشافة الإسلامية وترسخت لديها فكرة الثورة فانضمت إلى خلية ثورية تنشط بالعاصمة وأصبحت عنصرا بارزا في صفوف الفدائيين المكلفين بوضع القنابل ونقلها.

وبعد اكتشاف أمرها وتحديد مكانها رفقة آخرين ، وقبل تفجير مكانها كتبت رسالة لأهلها ” إن أخذنا الموت فملقانا عند الله، وإن مت فلا تبكوني فسأموت سعيدة ..” وقد كان بالفعل ما قالت .
آيت عمران يمينة
نشأت الشهيدة ” آيت عمران يمينة” في أسرة مثقفة وسرعان ما لبت نداء ثورة التحرير وشاركت في الإضراب التاريخي للطلبة وتلقت تكوينا في التمريض وكاتبة للمنشورات ، عملت بالتمريض في سن 16 عاما ن ثم شاركت في العمل المسلح وخاضت عدة معارك ضارية حتى سن 19 عام حيث ارتقت شهيدة .

جميلة بوعزة
انضمت ” جميلة بوعزة “ إلى الثورة المسلحة وهي طالبة بالمرحلة الثانوية ، عملت بمركز البريد في إطار لعمل السر ثم انضمت لمجموعة الفدائيين، رصدتها المخابرات الفرنسية ونشرت صورها، وكان أن اعتقلتها . تتذكر كل المعتقلات بسجن بربروس حجم التعذيب الذي عانت منه جميلة بوعزة ، كانت تحقن صباحاً ومساءً داخل السجن حتي انهارت نفسيا تماما.

زهرة ظريف
تخلت المجاهدة ” زهرة ظريف “عن الحياة الارستقراطية المرفهة ، وغادرت مقاعد الدراسة لتلتحق بالثورة المسلحة لإيمانها الكبير بأنها السبيل الوحيد للحرية ، جرى القبض عليها وتنقلت كثيرا بين السجون إلى أن تحقق الاستقلال.

زوليخة عدي
عاشت ” زوليخة عدي “حياتها بشكل طبيعي إلى حدثت نقطة التحول في شخصيتها يوم اعتقلت السلطات الفرنسية والدها وزوجها وابنها وأعدمتهم بالمقصلة. دب في داخلها دافع قوي للانتقام، انضمت إلى صفوف الثوار ودعمتهم بالأموال. وشاركت في عمليات استخباراتية وعملت على تعزيز التقارب بين الشعب وجيش التحرير.
ثم شاركت في عمليات عسكرية فوضعت سلطات الاحتلال اسمها في قائمة المطلوبين. هاجمت القوات الفرنسية قريتها وقامت بتصفية المقاومة ونجحت هي في الهروب.

حتى استقر بها المقام في المناطق الجبلية المجاورة ثم واصلت قيادة النساء في الجبهة حتى أوقعها الجيش الفرنسي في كمين. وخلال استنطاقها مارس عليها الاحتلال أبشع أنواع التعذيب. صمدت ولم تعترف بأي شيء، قاموا بربطها في سيارة وسحلها أمام أهالي القرى. وكلماتها المدوية تصدح في الفضاء تشهد أهالي القرى على ضعف الكيان الاستعماري الذي يسلط جنوده وأسلحته ضد امرأة واحدة.
ثم طالبتهم أن لا يستسلموا وأن يواصلوا كفاحهم حاول القائد الفرنسي إسكاتها فابتسمت ساخرة منه. فقام بحملها مقيدة إلى داخل طائرة هليكوبتر ارتفعت بها عاليا ثم رموها وتناثرت أعضاؤها فوق قمم الجبال بالمنطقة. تم العثور على رفاتها في مشهد مهيب بعد مرور 27 سنة وكانت مكبلة بالحديد وبنفس الملابس التي أعدمت بها.

شهيدات ناضلن في سبيل الثورة الجزائرية
كان هذا مجرد غيض من فيض ما قدمه الشعب الجزائري من حرائر شهيدات في عمر الزهور فداء لنصرة قضيته. وكان للإعلام العربي والعالمي إسهام كبير في إثارة حماسة الشعوب في كل بقاع الأرض وفي تحريك القضية في أكبر المحافل العالمية.
لقد كانت قوة الثورة الشاملة وبأسها حافزا لوقوف أنصار الحق إلى جانبها. ولم يكن لمن استكان إلى جانب الظالم سوي الركون في ظلمة التاريخ والبقاء في الجحيم على الأرض.
تؤكد التجارب التاريخية أن الشعوب التي لا تأخذ بأسباب القوة والمنعة يكون سلامها مهددا وأمنها في خطر. وأن عدم التوثب لمواكبة تطور العلوم في مختلف المجالات هو تقاعس عن تحقيق أحلام التغيير والتقدم. وأن الانكفاء في انتظار تحقيق المعجزات المجانية أوهام تكبل أصحابها. ليصيروا بسهولة ضحايا لمن هم أقسى منهم بلية وأشد منهم شرا.


















