يعد ميناء العقير التاريخي، الواقع في محافظة الأحساء بالمنطقة الشرقية، أحد أبرز المعالم التاريخية في المملكة العربية السعودية؛ إذ يصنف كأول ميناء بحري أنشئ على ساحل الخليج العربي في المملكة، وشكل عبر قرون طويلة مركزًا حيويًا للتجارة والاتصال الحضاري، فضلًا عن دوره المحوري في تاريخ الأحساء والجزيرة العربية.
بوابة بحرية ربطت نجد بالعالم
واحتل ميناء العقير مكانة استراتيجية جعلته البوابة البحرية الرئيسة لمنطقة نجد، كما مثل معبرًا مهمًا للاستيطان والحركة التجارية في شرق الجزيرة العربية. وتشير الشواهد التاريخية إلى أن نشاط التبادل التجاري عبر العقير والمناطق المجاورة يعود إلى العصور الحجرية. ما يعكس عمق ارتباط الميناء بالحضارات التي تعاقبت على المنطقة.
وعلى مدى سنوات طويلة، لعب الميناء أدوارًا سياسية واقتصادية وعسكرية بارزة. كما أسهم في دعم الحركة التجارية على الساحل الشرقي للجزيرة العربية، قبل أن تتغير أهميته تدريجيًا مع التحولات الاقتصادية التي شهدتها المملكة في منتصف القرن العشرين.

محطة سياسية شهدت اتفاقيات تاريخية
وبحسب “سعوديبيديا” برز ميناء العقير خلال عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بوصفه موقعًا مهمًا للمفاوضات واللقاءات السياسية. حيث اتخذه مقرًا لاستقبال الوفود البريطانية وإجراء المباحثات مع ممثلي الحكومة البريطانية.
وشهد الميناء في 26 ديسمبر 1915م انعقاد معاهدة العقير بين الملك عبدالعزيز والسير بيرسي كوكس ممثل الحكومة البريطانية آنذاك. كما احتضن اجتماعات مهمة خصصت لمناقشة ترسيم الحدود بين نجد وشرقي الأردن والعراق، والتي أسفرت عن توقيع بروتوكول العقير عام 1922م، في خطوة شكلت محطة بارزة في تاريخ المنطقة السياسي.
تطوير شامل عزز دوره الاقتصادي
وحرص الملك المؤسس على تطوير مرافق ميناء العقير وتعزيز قدراته التشغيلية، فشهد إنشاء عدد من المنشآت الحيوية، من بينها مباني الجمارك والجوازات والفرضة والخان والإمارة والحصن والمسجد. إلى جانب عين الماء وبرج أبوزهمول.
وأسهمت هذه المشاريع في تحويل الميناء إلى شريان اقتصادي مهم يربط شرق المملكة ووسطها. حيث كانت البضائع والمواد الغذائية والاحتياجات المختلفة تصل عبره إلى مناطق واسعة من الجزيرة العربية، بما في ذلك العاصمة الرياض. كما شهد الميناء تنظيمات إدارية واقتصادية هدفت إلى ضمان استمرارية دوره في دعم الحركة التجارية بالمملكة.

تراجع الأهمية مع ظهور موانئ جديدة
واستمر ميناء العقير في أداء دوره الحيوي حتى منتصف القرن العشرين، إلا أن أهميته بدأت تتراجع بعد اكتشاف النفط في بقيق والظهران وتحول مسارات التجارة والنقل. كما أسهم إنشاء ميناء الدمام وخط السكة الحديدية عام 1957م في تقليص دوره كميناء رئيس لشرق ووسط الجزيرة العربية. مع الاتجاه إلى وسائل نقل أكثر كفاءة وقربًا من مناطق إنتاج النفط.
جهود للحفاظ على الإرث التاريخي
وحظي ميناء العقير باهتمام الجهات المعنية بالتراث الوطني نظرًا لقيمته التاريخية والسياحية؛ حيث سجل مبنى الجمارك ضمن سجل الآثار الوطني. كما شهدت منشآت الميناء أعمال ترميم وتأهيل شملت مباني الخان والإمارة وحصن الإمارة عام 1997م.
ويواصل ميناء العقير اليوم حضوره بوصفه أحد أبرز المواقع التراثية في المملكة، وشاهدًا على مراحل مهمة من تاريخها السياسي والاقتصادي. ما يجعله وجهة ثقافية وسياحية تستقطب المهتمين بتاريخ الجزيرة العربية وإرثها الحضاري.



















