تقرير بقلم محمد فتحي.
في قلب الحراك الثقافي والاقتصادي المتسارع الذي تشهده العاصمة السعودية، تتشكل ملامح تجربة سودانية مختلفة، تتجاوز حدود الفعالية المؤقتة إلى أفق مشروع ريادي متكامل، عبر «مهرجان الرياض للتذوق»، الذي ينطلق الخميس المقبل، بوصفه منصة تجمع بين الهوية والابتكار، وتعيد تقديم المطبخ السوداني ضمن سياق اقتصادي وثقافي معاصر.
المطبخ السوداني يتحوّل إلى فرصة استثمارية واعدة
المهرجان، الذي تنظمه «هالة الخليج للمؤتمرات والمعارض» بالتعاون مع الإعلامية السودانية وفاء معروف، لا يُقرأ كفعالية ترفيهية عابرة؛ بل كمبادرة تحمل في جوهرها رؤية استراتيجية تسعى إلى تحويل الموروث الغذائي إلى فرصة استثمارية، عبر توظيفه في صناعة نماذج أعمال قادرة على المنافسة داخل سوق متعطش للتجارب الأصيلة.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز فكرة «التذوق» بعدها التقليدي، لتغدو مدخلاً لبناء منظومة ريادية تستند إلى تطوير سلاسل الإمداد، وتحديث أساليب العرض، وابتكار تجارب تفاعلية تعكس ثراء المطبخ السوداني، بما يحمله من تنوع جغرافي وثقافي، يمتد من ضفاف النيل إلى تخوم الخليج.
وفي مشهد يتوقع أن يفيض بالحياة، يفتح المهرجان أبوابه أمام الزوار عبر مفهوم «التذوق المفتوح»، بمشاركة مطاعم وشركات وبيوتات تجارية متخصصة في الأكلات السودانية، في عرض يعكس عمق الموروث وتنوعه.
غير أن الحدث لا يقف عند حدود الأطعمة، بل يتسع ليشمل منصات للأزياء والعطور والإكسسوارات، في محاولة واعية لتقديم الهوية السودانية كحزمة ثقافية متكاملة، تخاطب الذائقة الحديثة دون أن تفقد جذورها.
مبادرة تعزز حضور المشاريع السودانية
وتتجلى فلسفة المشروع في تحويل هذه المشاركة إلى مساحة لنسج علاقات اقتصادية جديدة. تفتح قنوات تواصل بين رواد الأعمال والمستثمرين في المملكة العربية السعودية. وتؤسس لفرص مستدامة داخل قطاع الأغذية والصناعات الإبداعية.
وفي هذا السياق، تؤكد وفاء معروف أن الرهان الحقيقي يقوم على «تحويل الموروث إلى قيمة مضافة». معتبرة أن المطبخ السوداني يمتلك من المقومات ما يؤهله ليكون رافدًا اقتصاديًا فاعلًا، متى ما قدّم ضمن أطر احترافية حديثة.
من جهتها، تعمل «هالة الخليج» على توظيف خبرتها في تنظيم الفعاليات لصياغة تجربة تتجاوز العرض إلى التفاعل. عبر تصميم بيئة حاضنة للمبادرات الناشئة، تُمكّن المشاركين من تطوير منتجاتهم. كما تعزز حضورهم في السوق المحلي. ضمن مشهد يتقاطع مع مستهدفات التنويع الاقتصادي التي تتبناها المملكة.
ويحتضن «منتجع ريف الرياض رقم 1» فعاليات المهرجان، في فضاء يجمع بين الطبيعة والتنظيم، ما يمنح الحدث بعدًا جماليًا ينسجم مع روحه. فيما يتولى تقديم الفقرات الإعلامي أشرف عبد الله، في إطار ينتظر أن يضفي على التجربة مزيدًا من الحيوية والتفاعل.
المطبخ السوداني بوابة للتبادل الثقافي والانفتاح
ولا يغفل المهرجان بعده الاجتماعي؛ إذ يتضمن برنامجاً مصاحباً يراعي مختلف الفئات العمرية، من خلال أنشطة ترفيهية وسحوبات وجوائز، إلى جانب تخصيص مساحات للأطفال، في خطوة تعكس وعيًا بأهمية تحويل الفعالية إلى تجربة أسرية متكاملة، تعزز الروابط وتفتح المجال أمام تفاعل أوسع.
وفي سياق أعم، يمكن قراءة «مهرجان الرياض للتذوق» بوصفه جزءً من ديناميكية ثقافية أوسع. تعيد صياغة العلاقة بين الجاليات ومجتمعاتها المضيفة، عبر مبادرات تقوم على التبادل والانفتاح. حيث يتحول المذاق إلى لغة مشتركة، تختصر المسافات، وتفتح أبواب التعارف.
هنا، لا تقدَّم الأطباق بوصفها تجربة حسية فحسب، بل كحاملٍ لذاكرة ممتدة، وسردية هوية تتجلى في تفاصيل النكهة واللون والرائحة. وبين عبق التوابل، وحضور الأزياء، ونبض الموسيقى، تتشكل صورة السودان في هيئة أكثر حيوية. قادرة على استقطاب الذائقة المحلية، وإثارة فضولها لاكتشاف المزيد.
هكذا، يتجاوز المهرجان كونه مناسبة عابرة، ليغدو محاولة جادة لإعادة تموضع المطبخ السوداني ضمن خارطة الاقتصاد الإبداعي، بوصفه منتجًا ثقافيًا قابلًا للتطوير والاستثمار. وبين نكهة تستدعي الذاكرة، وفكرة تصاغ للمستقبل، تتشكل ملامح قصة جديدة… عنوانها أن الإبداع، حين يجد من يؤمن به، يتحول إلى مشروع حياة.


















