ترسخت في مخيلة المجتمعات العربية لعقود طويلة ثقافة تقدس “الشهادة الأكاديمية” على حساب “المهنة الحرة”، فصنفت التخصصات الجامعية التقليدية كبوابة وحيدة للوجاهة الاجتماعية، بينما دفعت الحرف والمهن اليدوية إلى هامش النظرة الدونية، وكأنها خيار “من لا خيار له”. واليوم، وفي ظل التضخم الأكاديمي، وبطالة الخريجين، وتحول الاقتصاد العالمي نحو “المهارات الفعلية”، أصبح من الضروري والملح إعادة الاعتبار للتكوين المهني والحرفي؛ لتبديل النظرة المجتمعية السائدة من السؤال التقليدي “ماذا تعمل؟” (الذي يبحث عن اللقب) إلى المعيار الحضاري “كيف تتقن عملك؟” (الذي يبحث عن الجودة والتميز).
إن تحرير عقول الشباب من الشعور بالدونية تجاه العمل اليدوي ليس مجرد رفاهية فكرية، بل هو معركة ثقافية واقتصادية تتطلب إستراتيجية وطنية متعددة الأبعاد.

-
تجديد الخطاب التعليمي وربط الحرفة بالتكنولوجيا
تبدأ هزيمة النظرة الدونية من مقاعد الدراسة الأولى. لا يمكننا إقناع شاب بالتوجه للتكوين المهني وهو يرى في الإعلام أو المناهج الدراسية صورة نمطية للحرفي بملابس رثة ومهارات بدائية.
- دمج المهارات اليدوية في المدارس: يجب إدخال حصص تطبيقية (كالنجارة الرقمية، الروبوتات، الصيانة الإلكترونية، والزراعة الذكية) منذ المراحل الابتدائية ليتعلم الطفل احترام العمل اليدوي واكتشاف متعة الإنتاج.
- عصرنة التكوين المهني: إن دمج الذكاء الاصطناعي، والتصميم ثلاثي الأبعاد، والتقنيات الحديثة في معاهد التكوين المهني يحول “الحرفة” في نظر الشباب من عمل شاق إلى “تخصص تكنولوجي متطور” يواكب المستقبل. ويزيل صبغة التقليدية والبدائية عنها.
-
الإعلام وصناعة “القدوة المهنية”
يلعب الإعلام والدراما والمنصات الرقمية دور حاسم في صياغة قيم المجتمع وتوجهات الشباب.
- تغيير الصورة النمطية: بدلًا من إظهار الحرفي كشخص فاشل دراسيًا. يجب تقديم نماذج ملهمة لشباب استطاعوا بناء مؤسسات ضخمة انطلاقًا من ورشة حرفية صغيرة.
- صناعة المحتوى الهادف: تشجيع صناع المحتوى الشباب على تقديم فيديوهات تسلط الضوء على جماليات الحرف والابتكار الحرفي. ومدى التعقيد والذكاء الذي تتطلبه بعض المهن، مما يرفع من قيمتها الرمزية في الفضاء الافتراضي الذي يعيش فيه جيل اليوم.
-
إصلاح الهيكل الاقتصادي وحماية الحقوق
لن يتوجه الشباب إلى قطاع لا يضمن لهم الأمان المالي والكرامة الإنسانية، لذا فإن الجانب الاقتصادي هو المحرك الأساسي للتغيير:
- الأمان الوظيفي والاجتماعي: يجب مأسسة المهن الحرة عبر نقابات قوية تضمن للحرفيين تأمين صحي. ورواتب تقاعدية، وحماية قانونية، مما يمنح المهنة استقرارًا يضاهي الوظائف الحكومية أو المكتبية.
- دعم ريادة الأعمال الحرفية: تسهيل الحصول على قروض ميسرة وتمويلات للمتخرجين من معاهد التكوين المهني لافتتاح مشاريعهم الخاصة، بدلاً من بقائهم كعمال مياومين. فالشاب عندما يعلم أنه سيكون “صاحب عمل” ومديراً لشركته الناشئة، سيتلاشى لديه تمامًا أي شعور بالدونية.
-
إحياء عقيدة “الإتقان” في الثقافة المجتمعية
الخطوة الأعمق تكمن في إعادة صياغة الوعي الجمعي حول مفهوم “النجاح”. النجاح ليس كرسي دوار خلف مكتب مكيف. بل هو القيمة المضافة التي يقدمها المرء للمجتمع ومستوى جودتها. عندما يتعطل نظام التكييف في الصيف. أو تتوقف شبكة الكهرباء، يصبح “التقني المتقن” هو الشخص الأكثر أهمية وإنقاذية في المجتمع. هنا يجب أن تترسخ القاعدة النبوية الشريفة: “إنّ اللَّهَ يحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ”. إن معيار التفاضل بين البشر يجب أن يكون “الكفاءة والإتقان”؛ فمهندس فاشل أقل قيمة للمجتمع من سباك أو ميكانيكي عبقري يحل مشكلات الناس ببراعة.

















