يستحدث خبراء الصراع الدولي أبعادًا جديدة لمفهوم الدبلوماسية في معرض حديثهم عن الجهود السلمية الهادفة إلى جعل علاقات التعاون في كافة المجالات تستبق الأحداث. وتطغى على العلاقات الدولية لتنزع بوادر نشوء النزاعات مبكرًا في البدايات، وتوأد كل أسباب نشوب الصراعات.
الدبلوماسية بصفة عامة هي مجموعة نظم ووسائل اتصال بين الدول الأعضاء في المجموعة الدولية. وهي تعتبر جزءًا أساسيًا في عالمنا لأنها تعمل على إيجاد الاتفاق والتفاهم المشترك لذلك فهي تعد وسيلة إجراء المفاوضات بين الأمم. والدبلوماسية في مجال التفاوض تعني التمثيل السياسي للبلاد في مهمة تصريف شؤونها الخارجية لدى الدول الأخرى.
إدارة الأزمات ومنع التصعيد
يحرص الوسطاء الدوليون وأصحاب النوايا الحسنة على إظهار استعدادهم للمبادرة بسرعة التدخل في حالات وقوع خلافات بين الدول. لدرأ تفاقمها نحو النزاع المسلح وحدوث الحروب التي تهدد الأمن الدولي والسلام العالمي.
وذلك من خلال تكثيف اللقاءات مع الخصوم وإظهار حقيقة تطورات جهود الوساطة واستعراض نتائج الجولات المكوكية. من خلال عقد المؤتمرات الدبلوماسية من أجل بث روح التفاؤل والأمل في منع احتدام العلاقات إلى ما هو أسوأ.
ويؤدي العمل الدبلوماسي وظيفة حيوية في ترسيخ أهمية علاقات التعاون والتشاور في تطور حياة الشعوب. كما أنه يلعب دورًا احتوائيًا مهمًا سواء للتوصل إلى تسويات وديّة وسلمية لأي خلافات، أو نحو العمل على منع وقوع النزاعات.
وتنطلق هذه الجهود في إطار مساعي تجري في إطار التأكيد على ضرورة التحرك وفق آليات محددة قد تم اتفاق المجتمع الدولي بشأنها وعلى احترامها. إذن يتضح أن للعمل الدبلوماسي مناحي متعددة وذات طبيعة مختلفة :استباقية، ووقائية، وحمائية، وأن لاصطلاح الدبلوماسية من الناحية النظرية أو الافتراضية شقين. أولهما يشكل الوسيلة، وثانيهما يعبر عن الغاية والهدف.
وقد لا تكون الغايات كلها نبيلة، فالملاحظ أن الحروب لا تحدث نتيجة لفشل المساعي الدبلوماسية المخلصة في حل النزاعات جديًا. كما ينص على ذلك ميثاق منظمة الأمم المتحدة بل هناك من يشعلها باختراع الأسباب واختلاق المصوغات، وإيجاد ما يكفي من المبررات المزيفة.
أنماط الدبلوماسية في إدارة النزاعات وحماية المصالح
وهناك من يصر على إبقائها حتى يستمر اشتعالها ليتسع انتشارها، وكان ذلك من عوامل إخفاق الجهود الدبلوماسية في إطفاء نار الحروب الملتهبة في مناطق كثيرة في العالم. والسبب هو غياب الجوهر الذي ينطوي عليه مبدأ الدبلوماسية وهو الأهمية السياسية في حفظ الأمن. والاعتبارات الأخلاقية بالغة الأهمية في تسوية النزاعات سلميًا.
الدبلوماسية الاستباقية، تفترض حسن التوقع المبني على دقة الملاحظة ووفرة المعلومات والدراية الواسعة. والتفهم الجيد لجوهر مشكلة معينة ما تزال في طور التبلور بهدف التعمق في معرفة كينونتها والوقوف على طبيعة مواقف أطرافها منها. ثم العمل سريعًا على أساسها لفك شفرتها ثم أخذ المبادرة لاحتواء الأسباب في أنسب الأوقات لبلوغ أفضل النتائج.
والدبلوماسية الوقائية تكمن أهميتها في الدور الذي تلعبه كوسيلة لتسوية خلافات دولية قائمة بالفعل. ولمنع تطورها نحو حدوث مواجهات حادة ونزاعات مسلحة وإخماد نارها قبل اشتعالها. وذلك بهدف تغليب مصلحة الشعوب في العيش بسلام وفي أمن وأمان.
وتهدف الدبلوماسية الحمائية إلى حماية المصالح القائمة والنشاطات الجارية سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني من تهديدات خارجية يمكنها أن تزاحم الانتاج المحلي وتقوض أركان النشاط التجاري. أو أن تعبث عصابات التهريب بأمن الحدود بالإتجار غير المشروع بالسلع، وتأخذ الحماية المفترضة أشكالا متعددة بدءا بالإجراءات الجمركية المشددة، وفرض الرسوم المرتفعة على الواردات المنافسة للمنتوج الوطني.
أو منع استيراد مواد معينة يمكن أن تهدد جودتها العالية أو سعرها الرخيص استمرار القدرة التنافسية لوجود الإنتاج الوطني في الأسواق المحلية. كما ويعد مبدأ المعاملة بالمثل أحد الأشكال الأكثر حدة لهذه الدبلوماسية .
الدبلوماسية الموازية ودورها في حماية المصالح الوطنية
في ظل النظام العالمي الجديد وأحكام العولمة السائدة ومقتضيات العضوية في المنظمة العالمية للتجارة. إلى جانب اضطراب الوضع الأمني في الكثير من مناطق العالم فمن المرجح ان يستقر التفسير على أن الهدف المشترك هو الذي يبرر العمل الدبلوماسي كوسيلة مهما كانت طبيعته لتحقيق الغاية منه.
وفي ذلك برزت ظاهرة الدبلوماسية الموازية خاصة في الديمقراطيات الليبرالية كأداة متعددة الوظائف لدعم المصالح وتعزيز جهود حماية الهوية. أي أنها وظائف ذات تطلعات قومية تقتضي وجود أجهزة جديدة وشركاء جدد بفكر ديمقراطي ناضج. ووعي سياسي محايد في موقفه من الحكومة المركزية.
ولعل الدبلوماسية البرلمانية أهم أشكال الدبلوماسية الموازية إلى جانب الدبلوماسية الشعبية الممثلة في المنظمات الوطنية والتنظيمات المهنية والنقابات العمالية وباقي الجمعيات وقوى المجتمع المدني. التي بوسعها أن تشكل قوة اقتراح شعبي وأداة ضغط مدني، تمثل أحد أهم أدوات التأثير على الرأي العام الداخلي وتعبئة القوى الشعبية لمواجهة حالات التعرض للخطر. وذلك بسبب ارتباطها العضوي بالحكومة من جهة، وبفضل تعاطفها الوجداني مع الشعب من جهة أخرى.
















