ملامح الاستشراق في أعمال أنطوان جان غرو وتوثيق الشرق في الفن الأوروبي

أطلق لقب فن المستشرقين من قبل الناقد الفرنسي «يوليوس أنطوني كاستاناري» «Jules-Antoine Castagnary» في فرنسا في القرن التاسع عشر. ولقد كان لقبًا مكروهًا رغم تكون جمعية الفنانين المستشرقين التي كان رئيسها الفخري جان ليون جيروم عام 1893.

يعني اللقب أعمال الفنانين الغربيين في القرن التاسع عشر عن الشرق بعد زيارات قاموا بها للمنطقة. وعرفت بعد ذلك في انجلترا لتشمل الدراسات الأكاديمية عن الشرق. ولقد أصدر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عام 1978 كتابًا عن الاستشراق من أهم الكتب التي صدرت في هذا الموضوع. حيث تعرض لجميع أنواع وأغراض الاستشراق موضوعيًا واجتماعيًا وسياسيًا.

This may contain: an oil painting of a man with a beard
جول أنطوان كاستانياري 1830 – 1888 سياسي وصحفي فرنسي ليبرالي وناقد فني تقدمي ومؤثر

ضمن ما جاء فيه حينما شرح قول أحد المستشرقين بأن «الشرق صنعة» . قاصدًا أن الاهتمام بالشرق سيجده اللامعون من الشباب في الغرب شبوبًا عاطفيًا يستغرق المرء بصورة كلية؛ ولا ينبغي أن يفسّر ما قاله بأنه يعني أن الشرق صنعة وحسب للغربيين.

This may contain: black and white photograph of a man sitting in a chair with his hand on his chin
إدوارد وديع سعيد 1935-2003 منظر أدبي فلسطيني-أمريكي.

لقد كان ثمة، وما يزال، ثقافات، وأمم مقامها الشرق، ولحياتها، وتواريخها، وعاداتها، حقيقة قاسية عارية هي، بوضوح، أعظم بكثير من كل ما يمكن أن يقال عنها في الغرب، ولكن ينبغي على المرء ألا يفترض أبداً أن بنية الاستشراق ليست سوى بنية من الأكاذيب أو الأساطير التي ستذهب أدراج الرياح إذا كان للحقيقة المتعلقة بها أن تجلى.

فن الاستشراق وبداياته في فرنسا

بدأت مرحلة فن المستشرقين في فرنسا، مع الحملة العسكرية لنابليون بونابرت واحتلاله مصر بين 1798 و 1801. حيث لفتت هذه الحملة الأنظار للمنطقة وبدأت تستقطب الزوار بما فيهم الفنانون، الذين أنتجوا أعمالا فنية متعددة سواء في مجال الرسم أو الطباعة.
رغم أن معظم أوائل تلك الأعمال عبارة عن مبررات تبين التأخر والتخلف الذي تعيشه المنطقة والذي بسببه تمت الحملة العسكرية.
من أشهر الفنانين في هذا المجال «البارون أنطوان جان غرو»  «Antoine-Jean Gros»، وهو موضوع حديثنا اليوم، والذي أنتج لوحتين من أشهر الأعمال الفنية عن الحملة.  وهما نابليون يزور ضحايا الطاعون في «يافا» و«معركة أبو قير» وركز فيهما على الامبراطور ولكنه بين الشعب العادي بأشكاله وأزيائه.
بعد ذلك يأتي «ايوجين ديلاكروا» الذي رسم العديد من لوحاته عن اليونان في ظل الحكم العثماني ثم بعد ذلك عن زيارته وانطباعه بعد رحلة المغرب والجزائر. وبأعماله تلك أسس ديلاكروا لمذهب جديد في تاريخ الفن هو «الرومانسية» متأثراً بألوان الشرق.
قد يحتوي هذا على: لوحة لشاب ذي شعر طويل يرتدي قبعة سوداء ومعطفًا أخضر
“أنطوان جان غرو”، البارون غرو، 1771-1835 رسام فرنسي كلاسيكي جديد وما قبل رومانسي
جان أنطوان غرو ، وهو رسام فرنسي ولد في 16/3/1771 وتوفي في 25/6/1835، علمه والده الرسم في سن السادسة. حيث كان والده رسام منمنمات يرى في ابنه فنانًا مستقبليًا بمبادرة ذاتية في عام 1785 التحق بمرسم الفنان جاك لويس ديفيد في سن الرابعة عشرة. وقد تابعه وتردد عليه بدأب مع استمراره بمتابعة كلية مازارين.
في عام 1791 تأثر كثيراً بوفاة والده الذي كان يعاني الاضطهاد من قبل الثورة الفرنسية، كما أنه أصبح يعتمد على نفسه. لذا كرس كل همه للفن وبقي مثابراً، وقدم أعماله للجائزة الكبرى إلا أنه فشل في الحصول عليها في العام 1792 بتوصية من مدرسة «بو» للفنون عين كرسام وجوه لأعضاء الاتفاقية الوطنية.
ولكن لاستمرار الثورة وتطورها ومضايقاتها، غادر فرنسا عام 1793 إلى ايطاليا لمدة ست سنوات. حيث استقر في جنوا وعاش من رسوم المنمنمات وترميم الأعمال الفنية.
This may contain: an oil painting of a man holding a brush

محطات بارزة في مسيرة أنطوان جان غرو الفنية

زار فلورنسا ولكنه عاد إلى جنوه حيث تعرف إلى جوزفين بونابارت وتبعها إلى ميلانو حيث تم استقباله جيدًا من قبل زوجها نابليون بونابرت. وفي 15 نوفمبر 1796 رافق غرو الجيش حيث زرع بونابرت العلم الفرنسي على جسر أركولا.
وأنتج لوحة بهذا المعنى راقت لنابليون، الذي أصدر مرسوماً يسمح بمرافقة غرو للجيش الفرنسي في كل تحركاته. كما أن اللوحة كانت بداية شهرته الفنية.
وعاد عام 1799 إلى فرنسا واستقر في كابوسين عام 1881. وفازت لوحته المشهورة والمهمة «معركة الناصرة» Battle of Nazareth بالجائزة الكبرى التي تنظمها هيئة القناصل، التي كانت تحكم فرنسا قبل أن يصبح نابليون امبراطوراً.
This may contain: an oil painting of men on horses in a field
لوحة «معركة الناصرة»، عام 1801 للرسام أنطوان جان غرو
بعدها صحبه معه نابليون، ليرسم أروع ما يضم متحف اللوفر من أعمال فنية ضخمة، بداية لوحة «زيارة نابليون لضحايا الطاعون في يافا» 1802. ثم «معركة أبو قير» عام 1806 وأخيراً «معركة إيالو» عام 1808.
وهذه الأعمال أعطت لغرو الشهرة وذاع صيته كأهم الفنانين آنذاك. وكونه استمر مرافقا للجيش ورساماً لأهم معاركه. لم يمنعه هذا من الاستمرار في رسم المواضيع العادية. والتي نتيجة لبداياته الكلاسيكية، برع فيها، مضيفاً لها ألوانه الرومانسية التي منحته مزيداً من الشهرة.
قد يحتوي هذا على: صورة لوحة لأشخاص في منتصف غرفة مع وجود أشخاص آخرين واقفين حولهم
لوحة «زيارة نابليون لضحايا الطاعون في يافا» 1802 للرسام أنطوان جان غرو
«معركة أبو قير» عام 1806 للرسام أنطوان جان غرو
لوحة «معركة إيالو» عام 1808 للرسام أنطوان جان غرو

أسلوب أنطوان جان غرو الفني وتطوره

اشتهر برسمه للمعارك الكبيرة والتي خاضها نابليون، كما شارك في معارض الصالون حيث اعتبر فناناً مبدعاً. وكانت البداية بعرضة لوحة نابليون يزور ضحايا الطاعون في يافا، وذلك عام 1804.ورغم أن أسلوبها  كلاسيكي إلا أنها من خلال ألوانها المشرقة وتوزيعه الظل والضوء برؤيته الخاصة كانت من أهم الأعمال التي مهدت للمدرسة الرومانسية التي بدأت بديلاكروا.
واصل غرو أعماله الفنية الشهيرة بنفس الأسلوب الكلاسيكي، مع الألوان الرومانسية وهو ما يطلق عليه لقب «الكلاسيكية المحدثة».فرسم العديد من الشخصيات المهمة من رجال ونساء القصر، إضافة لبعض الأحداث التي مر بها نابليون بونابرت.
وكان تزيينه لقبة سانت جينيف الذي بدأه عام 1811 وانتهى عام 1824، من أهم أعماله في هذا المجال، والتي مازالت تشهد لبراعته الفنية وأسلوبه المميز.
إلا أن أعماله الأخرى بدأت في الانحدار وفقدت بريقها، وفي عام 1835 وجد غريقاً على شاطئ السين. ومعه ورقة كتب فيها عن مدى إحباطه من النقد اللاذع الذي أصابه بالاكتئاب وأنه تعب من الحياة مما دفعه لإنهاء حياته.
الرابط المختصر :