في لحظات الفرح العارم أو الخوف المفاجئ أو حتى الإحراج العابر، يبدو أن بعض المواقف تترك أثرًا لا يمحى في الذاكرة. لكن لماذا تبقى هذه الذكريات حية، بينما تتلاشى أحداث يومية أخرى بسهولة؟
يوضح خبراء علم النفس والأعصاب أن الدماغ لا يتعامل مع جميع التجارب بالطريقة نفسها؛ بل يعتمد نظامًا دقيقًا لفرز ما يستحق البقاء.
الدماغ يختار ما هو “مهم”
وتشير الدراسات إلى أن الدماغ يمنح أولوية خاصة للتجارب ذات الشحنة العاطفية المرتفعة. فالأحداث المرتبطة بالأمان، والانتماء، وتقدير الذات، واتخاذ القرارات المستقبلية، تصنف داخليًا على أنها عالية القيمة.
وعندما يمر الإنسان بلحظة انفعالية قوية، يرتفع مستوى الانتباه تلقائيًا، ما يزيد احتمال ترسيخ الحدث في الذاكرة. لذلك قد يتذكر شخص نبرة صوت في نقاش حساس، أو لحظة شعر فيها بتغير في علاقته، بينما ينسى تفاصيل يوم عادي بالكامل.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟
في لحظات التوتر أو الفرح الشديد، يفرز الجسم هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول. وبحسب أبحاث علم الأعصاب، فإن هذه المواد بجرعات معتدلة تعزز عملية “ترسيخ الذاكرة”، أي تثبيتها لتصبح قابلة للاستدعاء لاحقًا.
يلعب هنا جزءان أساسيان من الدماغ دورًا محوريًا:
- اللوزة الدماغية: ترصد الأهمية العاطفية للموقف.
- الحصين: ينظم الحدث ضمن سياقه الزمني والمكاني.
هذا التفاعل يفسر لماذا تبدو بعض الذكريات وكأنها قابلة لإعادة التشغيل بتفاصيلها الحسية. إلا أن الدماغ لا يسجل “فيلمًا كاملًا”؛ بل يقوّي عناصر محددة مثل كلمة معينة أو تعبير وجه؛ ما يجعل بعض الذكريات دقيقة شعوريًا لكنها غير مكتملة من حيث التفاصيل.
العلاقات.. بيئة خصبة للذكريات القوية
ووفق ما ذكره “icn” تتضاعف قوة الذكريات العاطفية داخل العلاقات، إذ ترتبط المشاعر بالهوية الشخصية وتقدير الذات. تعليق عابر، رسالة لم يرد عليها، أو لفتة دعم بسيطة قد تتحول إلى نقطة مرجعية تؤثر في تفسير مواقف لاحقة.
كما تلعب أنماط التعلق دورًا في نوع الذكريات التي تترسخ. فالأشخاص الذين يميلون إلى القلق في العلاقات قد يركزون على إشارات الابتعاد أو الرفض، بينما يميل أصحاب النمط التجنبي إلى تثبيت لحظات تؤكد حاجتهم للاستقلال. في الحالتين، لا تكون الذاكرة مخزنًا محايدًا، بل أداة توقع يستخدمها الدماغ لاستشراف ما قد يحدث لاحقًا.
هل الذكريات العاطفية دقيقة دائمًا؟
يربط كثيرون بين وضوح الذكرى وصدقها، إلا أن الأبحاث تشير إلى أن شدة العاطفة قد تزيد الثقة في الذكرى دون أن تضمن دقتها. فالدماغ يعيد “تركيب” الحدث في كل مرة يستدعى فيها، متأثرًا بالمزاج الحالي والتفسيرات اللاحقة.
لهذا قد يتذكر طرفان الشجار نفسه بروايتين مختلفتين؛ كل منهما يحتفظ بالإحساس الذي اختبره، لا بالضرورة بالتفاصيل الحرفية لما قيل. ومع تكرار السرد، قد تترسخ نسخة واحدة من الحدث، خصوصًا إذا دعمتها مشاعر متراكمة أو أحاديث جانبية.
متى تتحول الذكريات إلى عبء؟
رغم أن الذاكرة العاطفية تساعد الإنسان على التعلم واتخاذ قرارات أفضل، فإنها قد تتحول إلى مصدر توتر إذا ظلت مرتبطة بإحساس دائم بالتهديد. استدعاء تجارب قديمة من خيانة أو إهانة مثلًا قد يدفع الشخص إلى تفسير مواقف حالية بشكل دفاعي مبالغ فيه.
في العلاقات طويلة الأمد، قد تتكرر أنماط معروفة: إعادة فتح ملفات قديمة عند كل خلاف، أو الانسحاب لتجنب التصعيد. هنا لا تكون المشكلة “عنادًا” بقدر ما هي استجابة تلقائية لشبكة ذاكرة تُستثار بسرعة.

كيف يمكن التعامل معها؟
يرى متخصصون أن التعامل مع الذكريات العاطفية لا يعني محوها، بل تقليل تأثيرها على قرارات الحاضر. من الخطوات العملية:
- تسمية الشعور عند ظهوره بدل الانسياق وراءه.
- التفريق بين الحدث الحالي وتجربة قديمة مشابهة.
- بناء “ذكريات مضادة” عبر سلوكيات إصلاح واضحة ومتكررة.
- وضع قواعد صحية لإدارة الخلافات.
- طلب دعم مهني عند ارتباط الذكريات بصدمة أو أذى متكرر.
كما تؤثر عوامل نمط الحياة، مثل النوم الكافي وتقليل التوتر، بشكل مباشر في قدرة الدماغ على ضبط الانفعال، ما يخفف من حدة الاستجابات المرتبطة بالذكريات القديمة.
في النهاية، تبقى الذكريات العاطفية جزءًا طبيعيًا من آلية التعلم الإنساني. لكنها، حين تفهم طبيعتها، يمكن أن تتحول من مصدر صراع إلى أداة وعي تعزز جودة العلاقات بدل أن تثقلها.
الرابط المختصر :


















