مع اقتراب نهاية شهر رمضان من كل عام، يتجدد التساؤل المدهش: “كيف انقضى الشهر بهذه السرعة؟” هذا الشعور بالوقت الذي يفر من بين أيدينا كحبات الرمل ليس مجرد انطباع عاطفي، بل هو ظاهرة معقدة تتداخل فيها الأبعاد الروحية مع الآليات البيولوجية للدماغ.
فبينما يرى البعض الشهر فرصةً لا تعوض تطير ساعاتها، يشعر آخرون بثقل الأيام وبطء الدقائق بانتظار موعد الإفطار. فأين تكمن الحقيقة؟

البركة والزمان.. الرؤية الإيمانية
في المنظور الإسلامي، يرتبط الشعور بالوقت بمفهوم “البركة”. فقد أشار النبي ﷺ إلى تقارب الزمان كعلامة من علامات آخر الزمان، حيث يرى العبد السنة كالشهر، والشهر كالجمعة.
ويوضح الباحثون في هذا السياق أن البركة ليست مجرد كمية زمنية، بل هي “نفحة إلهية” مرتبطة بصلة العبد بربه؛ فكلما اتصل حبل العبد بالخالق، أُفرغت البركة في وقته، ما يمنحه إنجازًا يفوق حسابات الساعة والدقيقة.
سيمفونية الدماغ.. كيف نشعر بالوقت؟
علميًا، لا يملك الإنسان ساعة بيولوجية ثابتة، بل يتشكل إدراكنا للزمن في مختبر عقولنا:
- كيمياء الدوبامين: تشير دراسات علم الأعصاب إلى أن هرمون “الدوبامين” – ناقل الحافزية واللذة في الدماغ – يلعب دورًا محوريًا؛ فكلما زاد نشاط الخلايا العصبية المنتجة له، تسارعت معالجة الدماغ للإشارات؛ ما يجعل الوقت يبدو كأنه يمر بسرعة البرق.
- كثافة التجربة: يرى علماء الاجتماع أن “كثافة التجربة” هي المفتاح؛ فالعقل يميل إلى جعل الوقت يبدو بطيئًا في حالات الملل أو العزلة (انتظار الإفطار)، بينما يطير الوقت عندما يمتلئ يومنا بالمهام المتجددة والعبادات التي تتطلب تركيزًا وتفاعلًا، ما يجعل الوقت يبدو “خفيفًا” ومثمرًا.
الحالة النفسية.. الضلع المفقود
بعيدًا عن الفلك والبيولوجيا، تظل الحالة النفسية للصائم هي الميزان. فالوقت يصبح ثقيل ومرهق حين يختل توازن الصائم في ثلاثية: التصالح مع النفس، ولذة الطاعة، والقدرة على العطاء. فالمطمئن بعبادته والمنشغل بالخير يشعر أن رمضان ضيف كريم لا يوحش، بينما قد يشعر من يعاني من فراغ روحي أو نفسي أن الوقت عبء لا ينقضي.
كيف تستعيد السيطرة على “ساعتك الرمضانية”؟
لكي لا ينقضي رمضان “قاحلًا”، يقدم الخبراء إستراتيجيات لاستعادة زمام المبادرة:
- لا تكن “منتظرًا“: إن انتظار موعد الإفطار أو ترقب نهاية صلاة التراويح يضع عقلك في حالة “ترقب سلبي”. ما يجعل الوقت يزحف ببطء. اشغل عقلك بالصلاة، القراءة، أو الذكر، لتجعل عقلك يتوقع الصورة الكبيرة. فيمر الوقت دون أن تشعر به.
- حطم الروتين: إن سبب شعور كبار السن بسرعة السنين هو “رتابة الحياة”. لكي يبدو رمضان أطول وأكثر ثراءً، اكسر روتينك؛ جرب صلاة التراويح في مساجد متنوعة، انخرط في عمل تطوعي جديد. أو تعلم مهارة في العبادة. التجديد يخزن ذكريات نوعية تجعل للشهر قيمة ملموسة.
- ضع بوصلة يومية: العشوائية هي عدو البركة. إن وجود برنامج يومي يوازن بين العبادة والعمل يمنحك الشعور بالإنجاز، ويحول الوقت من ساعات تمر ببطء إلى “لحظات ثمينة” لا تنسى.
إن سرعة مرور الوقت في رمضان ليست خطرًا بحد ذاتها، بل هي دعوة للتنبه. فالعبرة ليست في طول الوقت أو قصره، بل في الكثافة الروحية التي نملأ بها هذه الساعات. وكما يقول العارفون: “رُب وقتٍ قصير مبارك، خيرٌ من دهرٍ طويلٍ قاحل”.
















