شدد علماء النفس على ضرورة الخروج من دائرة الصمت المالي، نظرًا لأهمية الحديث بشفافية ودون حساسية عن أمورنا المالية دعوة ملحة وقائمة. من أجل تفادي المشاكل المستمرة الناجمة عن الصمت والتكتم المؤدي، إلى سوء الفهم ثم الوقوع في فخ عدم التفاهم. إذ ما يزال الكثيرون لا يشعرون بالراحة عند الحديث عن الأمور المالية.
كما أكد علماء النفس أن المراد من هذه الدعوة الجريئة تقديم يد المساعدة على فحص طرق التفكير في المال وتحديد علاقتهم به. وتعلم مهارات مالية مهمة كالادخار وتتبع النقود. والمطالبة بالمقابل العادل، والإنفاق بحكمة. والعيش في حدود الميزانية، والطريقة المثلى لاستخدام بطاقات الائتمان، والمساهمة بالمال لفعل الخير وإحداث التغيير للأفضل.
تجنب الحديث عن الأمور المالية
لا يبدو الأمر سهلًا لحرص الكثيرين على تجنب الحديث عن الأمور المالية التي يمكن أن تتحول إلى مسألة أخرى. لها علاقة بالمبالغة في تقدير الذات خاصة بعد أن سيطرت عادات استهلاكية غير مسبوقة في الإفراط على الإنفاق إلى حد التبذير والإسراف. وأيضًا على الاقتراض مع حدوث انخفاض حاد في معدلات الادخار، وأكثر من هذا هناك من يرى أنه ينبغي ألاّ يسأل الأطفال عن الأمور المالية للأسرة. وكثير من الآباء يعتبرون ذلك ضربًا من ضروب قلة الذوق وعدم اللياقة. إن كسر الصمت المالي يحتاج إلى إرادة وهزم وبذل جهد لتغيير المواقف السلبية وتصحيح العادات المالية غير السليمة.
كما يتجنب بعض الناس الحديث بصراحة عن أوضاعهم المالية حتى أمام أبنائهم كي لا تتسرب معلوماتهم الشخصية المهمة. ويتعرضون للحسد أو الطمع أو التهديد والاستغلال سواء كان من الأقارب أو الغرباء، ويتجنب آخرون ذلك تفاديًا لشعور محرج يأتي من تدني أوضاعهم أو وقوعهم في ورطات معقدة من الأقساط والديون فيكون الصمت ساترًا يُبعد عنهم نظرات الإشفاق من ناحية ، ويجنب أسرهم القلق في الحاضر والخوف من المستقبل ومشاكل أخرى تتعلق بالمكانة الاجتماعية والهوية والثقة بالنفس من ناحية أخرى.
أعراف ومفاهيم موروثة
هناك من يخفي حقيقة علاقته بالمال وحبه الشديد له تفاديًا لاحتمال تعرضه لأحكام اجتماعية. أولتهم باطلة ناجمة عن أعراف ومفاهيم موروثة تربى عليها بعض الأشخاص مثل “المال قوة ونفوذ وهيبة ولا قيمة للإنسان من دونه”.
بينما ترى آخرين قد تربوا على أن “حب المال شر وطمع في دنيا فانية” وأن “الثراء السريع لا يأتي إلا بتجاوزات. وأن الحديث عن المال يفسد العلاقات ويفقد الأنثى رقتها” وغير ذلك ما يشكل طبيعة السلوك المالي لدى الأفراد.
وباختلاف التربية المنزلية والتنشئة المجتمعية تتشكل ثقافة تجعل شخص يُفضل الإنفاق إلى درجة البذخ. ويستمتع بالمال ويتباهى به ولا يستطيع أن يتخلى عنه. بينما يدّخر شخص آخر بصورة قسرية ويصعب عليه الإنفاق منه مهما كانت الحاجة إليه.
كما تتفاوت المعتقدات والسلوكيات المالية على حسب المستوى الاقتصادي ووفقا للوضع لاجتماعي للأجيال المختلفة. فالجيل القديم اعتاد أن يدخر أولًا ثم ينفق من خلال ميزانية متفق عليها. بينما الأجيال الجديدة تنفق ما لا تملك معتمدة على قروض بطاقات الائتمان. والنتيجة مسلسل لا ينتهي من المشاكل والأزمات، ثروات تتبدد لقصور الوعي بالمعلومات الواقعية والدقيقة.
وقد تصدق في النهاية المقولة التي ترى أن الجيل الأول يصنع الثروة ، والجيل الثاني يتمتع بها. والجيل الثالث يبددها ذلك إذا لم ينجح الحوار أو أن حديث المال بين الأجيال لم يؤد إلى نقل التجارب ودروس التعامل بصدق وبواقعية.
ففي بعض الأحيان ينكشف الغطاء بعد موت الآباء عن جبال من الديون المتراكمة التي يتعين إما سدادها أو أن تحل الكارثة على الأبناء. والسبب أن الآباء لم يكونوا يرغبون في تعكير صفو أبنائهم. كما يمكن أن يصدم الأبناء بامتلاك الآباء الثروات الطائلة في وقت عاشوا فيه محرومين معظم حياتهم. فتنقلب حياتهم رأسا على عقب، وقد لا تكون بعض هذه الانقلابات إيجابية.
التخطيط المشترك للمستقبل
كما تعد الصراعات المالية والخيانات المادية من أهم أسباب صراع الأزواج وحالات الطلاق. فكثير من الأزواج يخفون أسرارهم المالية عن شركائهم. خاصة المتعلقة بحقيقة الدخل وجملة الديون المستحقة أو أثمان المشتريات الشخصية الغالية التي تفوق القدرة المالية. فحينها يحدث التهرب من سداد الالتزامات. بينما كان يمكن أن تتوثق علاقة الزواج وتزدهر بالحديث عن الوضع المالي الصريح والمنفتح.
تربية الأطفال على تقدير قيمة المال
من أجل تربية جيل ذكي ماليًا يكون من الضروري كسر الصمت المالي ببدء الحديث مع الأطفال. والمهم جعل الحديث مناسب لعمر الطفل. والبداية بتعلم أسماء قطع العملات والأوراق النقدية وقيمتها. وفي سنوات لاحقة سيكون باستطاعته استيعاب موضوعات مالية كالفرق بين الاحتياجات الأساسية والرغبات الكمالية وأهمية التبرع لمساعدة المحتاجين.
بينما من المفيد ترك الحديث عن المال بين الأشقاء حول التعرف على مستوى الرواتب وأسعار المنازل والسيارات. وأثمان مختلف السلع في الأسواق والاستفادة من تجارب الآخرين الواقعية في الاختيار والتوفير والاستثمار.

كما يعد تربية الأطفال على تقدير قيمة المال بين أيديهم وتعديل العادات المالية جزء من الذكاء المالي. والتعليم المالي الذي لا يقتصر على الأحاديث النظرية المملة بل باختيار الأوقات المناسبة لجعله ناجعًا. كأوقات التسوق حيث يمكن الحديث عن المنتجات المختلفة المعروضة وعن أسعارها، وأسباب تفضيل شراء منتج على آخر.
كما يمكن تعليم الأطفال دروسًا أخرى غير مالية تتعلق بمهارة التعلم من الأخطاء ، وكيفية تحديد الأهداف بعيدة المدى. ومعرفة معنى الكفاح من أجل تحقيق هدف معين وذلك حتى يستبصروا علاقتهم بالمال ويتحملوا مسؤولية التعامل معه.





















